ثمة أصوات لا تحتاج إلى مقدمة كي نتعرّف إليها. يكفي أن نسمع النبرة الأولى، أو الجملة الأولى، حتى تستيقظ في الذاكرة صور كثيرة دفعة واحدة: شاشة قديمة، صباح لبناني، بيت عائلي، فنجان قهوة، وتلفزيون كان لا يزال يجمع الناس حوله قبل أن تفرّقهم الشاشات الصغيرة والمنصات.
مي متّى واحدة من تلك الأصوات.
ولهذا، لم تكن استضافتها في بودكاست «هواكم» مجرد عودة إعلامية أو مقابلة جديدة تضاف إلى أرشيفها الطويل، بل بدت كأنها فتح لنافذة على زمن كامل. زمن كان فيه التلفزيون جزءاً من إيقاع الحياة اليومية، وكانت الوجوه التي تظهر عليه تدخل البيوت على مهل، وتتكوّن علاقتها بالجمهور عاماً بعد عام، لا بفيديو عابر أو «ترند» سريع.
حين تظهر مي متّى اليوم، يعود معها شيء من تلك المرحلة.
يعود زمن كان فيه للمذيع صوت يعرفه الناس، وللكلمة وزن، وللحضور معنى يتجاوز الصورة. لم تكن النجومية في ذلك الزمن تحتاج إلى مبالغة، ولا إلى صخب، ولا إلى افتعال دائم للفت الأنظار. كان يكفي أحياناً أن تكون أمام الكاميرا مرتاحاً، مثقفاً، سريع البديهة، وصاحب شخصية حقيقية.
وهذا ما ميّز مي متّى.
هي من ذلك الجيل الذي لم يكن فيه المذيع مجرد قارئ للأسئلة ولا واجهة لبرنامج. كان مطلوباً منه أن يمتلك لغته الخاصة، إيقاعه الخاص، وشيئاً من روحه يتركه في كل حلقة. ولهذا بقيت شخصيتها حاضرة في الذاكرة حتى بعد ابتعادها عن الشاشة اليومية.
في حلقتها مع «هواكم»، حضرت مي متّى كما يتذكرها جمهورها: بعفويتها، بوضوحها، وبذلك المزيج بين القوة والألفة الذي عرفته الشاشة اللبنانية طويلاً. استعادة محطات من مسيرتها لم تبدُ كنبش في الماضي، بل كاستعادة لذاكرة مهنية وشخصية تشبه ذاكرة جيل كامل.
والحديث عن مي متّى لا يمكن فصله عن مرحلة ازدهار التلفزيون اللبناني، حين كانت البرامج الصباحية والمسائية والحوارية والترفيهية جزءاً من حياة الناس، وحين كانت أسماء المذيعين والمذيعات مألوفة كما لو أنها من أفراد العائلة.
في تلك السنوات، لم يكن المشاهد يغيّر الشاشة كل بضع ثوانٍ. كان يجلس أمام البرنامج، يعرف مقدّمه، ينتظر فقراته، ويتابع تطور شخصياته. ومن هنا جاءت قوة العلاقة بين الجمهور وبعض الإعلاميين. لم يكونوا ضيوفاً عابرين على البيوت، بل وجوهاً تراكم حضورها حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية.
ومي متّى كانت من هذه الوجوه.
من الصعب أن يتذكر من عاش تلك المرحلة اسمها من دون أن يستدعي معها صورة التلفزيون اللبناني في واحدة من أكثر مراحله حيوية. شاشة فيها مساحة للفن، للثقافة، للحوار، وللترفيه الذي لا يحتاج دائماً إلى صراخ. شاشة كان فيها للمذيع وقت كي يصنع شخصيته، وللمشاهد وقت كي يحبها أو يختلف معها أو يعتادها.
وربما لهذا تحمل عودتها اليوم هذا القدر من الحنين.
ليس لأن الماضي كان مثالياً. بالتأكيد لم يكن كذلك. كانت له مشكلاته وأخطاؤه وحدوده. لكن ما نفتقده اليوم في كثير من الأحيان ليس الوسائل القديمة، بل الإيقاع القديم. ذلك البطء الذي كان يسمح للشخصيات الإعلامية بأن تنضج، وللبرامج بأن تترك أثراً، وللجمهور بأن يبني علاقة حقيقية مع الشاشة.
اليوم، يمكن أن يصبح شخص مشهوراً في ليلة واحدة، ويمكن أن يتراجع اسمه بعد أسبوع. أما جيل مي متّى، فكان يبني حضوره عاماً بعد عام. ولهذا حين نعود إليه بعد سنوات، لا نستعيد اسماً فحسب، بل نستعيد مرحلة من حياتنا.
وهنا تكمن أهمية استضافة «هواكم».
فالتكريم ليس دائماً حفلاً أو درعاً أو كلمة مكتوبة في مناسبة. أحياناً يكون التكريم الأصدق أن نعيد صاحب التجربة إلى الضوء، لا بوصفه ذكرى قديمة، بل بوصفه جزءاً من تاريخ مهني لا يزال يستحق الاستماع إليه.
أن نمنح إعلامية مثل مي متّى مساحة تتحدث فيها عن تجربتها وذكرياتها، يعني أيضاً أن نقول للجيل الجديد إن المهنة لم تبدأ مع وسائل التواصل الاجتماعي، وإن تاريخ الشاشة اللبنانية ممتلئ بأسماء صنعت حضورها قبل زمن الخوارزميات، حين كان النجاح يقاس بمدى ثقة الجمهور بك وبقدرته على تذكرك بعد سنوات.
والأجمل أن مي متّى لا تحتاج اليوم إلى أن تثبت شيئاً.
فالزمن قام بالمهمة عنها.
بعد كل هذه السنوات، ما زال اسمها يوقظ في الذاكرة صوتاً وصورة ومرحلة. وهذا ربما هو الامتحان الحقيقي لأي تجربة إعلامية: ماذا يبقى منها حين تنطفئ الأضواء اليومية؟
بعض الأسماء لا يبقى منها سوى أرشيف.
وبعضها يبقى شعوراً.
ومي متّى من النوع الثاني.
حين تظهر، لا نشاهد فقط إعلامية مخضرمة تعود إلى الحوار، بل نستعيد زمناً كنا فيه نعرف مواعيد برامجنا، ونجلس أمام التلفزيون، وننتظر وجوهاً ألفناها حتى صارت جزءاً من تفاصيل أيامنا.
لذلك كانت حلقتها في «هواكم» أكثر من مقابلة.
كانت تحية لصوت لم يغادر تماماً.
وكانت، بالنسبة إلى كثيرين، لقاءً قصيراً مع شيء من زمنهم الجميل.