في زمن تتسابق فيه المنصات الرقمية على صناعة المحتوى السريع، اختارت الإعلامية اللبنانية نتالي نعوم أن تسلك طريقاً مختلفاً. فمن خلال بودكاست “Over 50”، لا تلاحق الترند، بل تمنح الكلمة لمن صنعوا تجاربهم على امتداد عقود، لتثبت أن العمر ليس رقماً، بل رصيداً من الخبرات والقصص التي تستحق أن تُروى.
الفكرة في ظاهرها بسيطة؛ استضافة شخصيات تجاوزت الخمسين للحديث عن محطات حياتها. إلا أن ما يميز البرنامج هو أنه لا يكتفي بسرد الذكريات، بل يحاول استخراج ما خلفها من دروس وتحولات إنسانية ومهنية. وهنا تكمن خصوصية التجربة، إذ يتحول الضيف من راوٍ لسيرته إلى شاهد على حقبة كاملة من الإعلام أو الفن أو الثقافة أو المجتمع.
خلال الحلقات، لا تبدو نتالي نعوم في موقع المحاور التقليدي الباحث عن “العنوان المثير”، بل تميل إلى بناء حوار هادئ يمنح الضيف الوقت الكافي ليستعيد تفاصيل ربما لم يسبق أن تحدث عنها أمام الكاميرا. هذا الإيقاع الهادئ بات اليوم جزءاً من هوية البودكاست، خصوصاً في ظل إرهاق الجمهور من المقابلات السريعة والمقتطعة التي تهيمن على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويحسب للبرنامج أيضاً أنه نجح في استقطاب أسماء معروفة من خلفيات مختلفة، من إعلاميين وفنانين وكتّاب وشخصيات عامة، ما منح كل حلقة شخصية مستقلة ونكهة خاصة، بعيداً عن تكرار الأسئلة أو القوالب الجاهزة. فقد استضاف البرنامج، على سبيل المثال، الإعلامي زاهي وهبي، والإعلامي يزبك وهبة، والإعلامية كارين سلامة، إلى جانب شخصيات أخرى حملت معها تجارب مهنية وإنسانية متنوعة.
ولا يمكن فصل نجاح “Over 50” عن التحول الكبير الذي يشهده عالم البودكاست عربياً. فبعد سنوات كان فيها هذا النوع من المحتوى موجهاً إلى جمهور محدود، أصبح اليوم مساحة حقيقية للنقاش العميق، وللحوارات الطويلة التي تسمح بإظهار جوانب لا تتسع لها المقابلات التلفزيونية التقليدية. ومن هنا يبدو اختيار نتالي نعوم لهذا القالب موفقاً، لأنه يتناسب مع طبيعة الضيوف الذين يستندون إلى تراكم في التجربة أكثر من اعتمادهم على الحدث الآني.
وربما تكمن الرسالة الأجمل في عنوان البرنامج نفسه؛ فـ”Over 50″ لا يتعامل مع سن الخمسين باعتباره بداية الانسحاب، بل باعتباره بداية مرحلة جديدة من النضج، حيث تصبح الخبرة أكثر أهمية من الشهرة، وتغدو التجربة الشخصية مادةً تستحق الإصغاء.
في زمن يقدّس السرعة ويكافئ المحتوى الخاطف، يثبت “Over 50” أن هناك جمهوراً ما زال يبحث عن الحكاية الكاملة، وعن الحوار الذي يترك أثراً بعد انتهاء الحلقة. وربما لهذا السبب نجح البرنامج في ترسيخ حضوره، ليس لأنه يتحدث عن الماضي، بل لأنه يستخدم الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وفي النهاية، تبدو تجربة نتالي نعوم أكثر من مجرد بودكاست؛ إنها دعوة لإعادة الاعتبار إلى قيمة الخبرة الإنسانية، وإلى الحوار الهادئ الذي يترك للمشاهد فرصة التفكير، بعيداً عن ضجيج العناوين السريعة وصخب المنصات الرقمية.