1. Home
  2. مقالات
  3. مقال الرأي.. بين عمق الأمس وسطحية اليوم
مقال الرأي.. بين عمق الأمس وسطحية اليوم

مقال الرأي.. بين عمق الأمس وسطحية اليوم

0
0

كان مقال الرأي، في زمن غير بعيد، محطة يقصدها القارئ عمدًا لا عرضًا، فيفتح الصحيفة أو يتصفح الموقع بحثًا عن اسم بعينه، واثقا بأن خلف تلك الأسطر عقلًا يقرأ المشهد قبل أن يكتبه.
واليوم اليوم، تبدّل المشهد جذريًا.
تراجع مقال الرأي التحليلي أمام موجة “القراءة السياسية” السريعة والاستخلاصات المكثّفة التي تختصر المسافة بين الحدث والحكم عليه، فيما يقف القارئ حائرًا بين رغبته في الفهم العميق وواقع نصوص لا تمنحه سوى ملخصات باردة.

المفارقة أن ذلك العمق الذي افتقده القارئ اليوم لم يكن دومًا سليمًا من عيوبه، حيث لامست كثير من مقالات الرأي السياسي في عزّها حدود “النخبوية”، بلغة مركّبة وإحالات ثقيلة أحيانًا. لكن القارئ، رغم ذلك، كان يفضّل هذا العناء المعرفي على سطحية اليوم، لأن التعقيد حينها كان يحمل توقيعًا فكريًا يستحق الجهد.
أما الغياب الأكثر إيلامًا فهو غياب “النجوم”، فأولئك الكتّاب الذين كانت أسماؤهم وحدها كافية لجذب القارئ، مقارنة بمشهد اليوم الذي يفتقر إلى وجوه استثنائية موازية، رغم اتساع منابر النشر.

جزء كبير من هذا التراجع يعود إلى إشكالية خلط لم يُحسم بعد، تحديدا الخلط بين “المقال” بوصفه جنسًا كتابيًا متكاملًا له بنية وحجّة وأسلوب، وبين “الحالة الإلكترونية” العابرة التي تفرضها منصات التواصل. فالمنصات، بمنطقها القائم على السرعة والاختصار والتفاعل اللحظي، سلبت مقال الرأي سحره وعمقه، وحوّلت كثيرًا مما يُنشر إلى ومضات رأي أقرب إلى ردّ الفعل منها إلى التحليل.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة من التحدي، فهو يرسي اليوم قوالب متشابهة يلحظها القارئ المتمرّس في أغلب ما يُكتب، حتى ليكاد يتنبأ ببنية المقال قبل قراءته.
والأخطر أن “شهية” توليد النصوص بواسطة الذكاء الاصطناعي أفقدت كثيرًا من الكتّاب متعة الغوص في التفاصيل والأعماق، وأضعفت إصرارهم على دمغ مقالاتهم ببصمتهم الخاصة، فبات كثير مما نقرأه اليوم تقنيًا في بنائه، لكنه خالٍ من الروح التي تصنع الفارق بين نص يُقرأ ونص يُستهلك.

هناك حاجة ملحّة إذا إلى مقاربة تُعيد الاعتبار لمقال الرأي بوصفه فعلًا فكريًا لا مجرد محتوى.
التمييز الواعي بين ما يُكتب للمنصة وما يُكتب كمقال حقيقي أولوية ملحة جدا، فلكل منهما منطقه ولا يجوز الخلط بينهما وذلك بكون باستثمار أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد بحثي لا كبديل عن صوت الكاتب، مع الحرص على أن تبقى الفكرة والصياغة والموقف نتاجًا شخصيًا خالصًا.
أما المؤسسات الإعلامية والأكاديمية فمطلوب منها احتضان أصوات جديدة ومنحها مساحة كافية لتنضج، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الأسماء المستهلكة.
أما التمني الكبير يبقى تحفيز القارئ نفسه على أن يكون انتقائيًا، فطلب العمق كفيل بإعادة السحر لمقال الرأي الذي افتقدناه.


tags: