1. Home
  2. مقالات
  3. حصرية السلاح بِيَد الدولة بين مُقتضيات السيادة وضمانات القانون
حصرية السلاح بِيَد الدولة بين مُقتضيات السيادة وضمانات القانون

حصرية السلاح بِيَد الدولة بين مُقتضيات السيادة وضمانات القانون

0
0

المحامي ميشال فلاّح | أعاد الانتقال من إعلان مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة إلى البحث في آليات تنفيذه، ولا سيما في الجنوب اللبناني، سؤالاً محورياً إلى واجهة النقاش: هل تستطيع الدولة استعادة احتكارها المشروع للقوة من دون تجاوز الضمانات الدستورية والقانونية؟

فالمسألة لا تقتصر على بعدها الأمني، بل ترتبط بمفهوم السيادة، وحدود صلاحيات السلطات العامة، واحترام الحقوق الأساسية، إضافة إلى التزامات لبنان الدولية. ومن هنا، ينبغي التمييز بين مشروعية الهدف ومشروعية الوسيلة.  فاستعادة احتكار الدولة للسلاح هدف دستوري ودولي مشروع، لكن تحقيقه لا يكون إلا ضمن أحكام القانون.

حصرية السلاح أساس من أسس السيادة

لا ينص الدستور اللبناني صراحة على حصرية السلاح بيد الدولة، إلا أن هذا المبدأ يستفاد من طبيعة الدولة ذات السيادة، ومن احتكار مؤسساتها الدستورية لممارسة السلطة العامة واستخدام القوة.

ويتعزز هذا الأساس في وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، التي نصت على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، وإعادة تنظيم القوات المسلحة لتكون القوة الشرعية الوحيدة في البلاد.[1]

وعليه، لا تستقيم سيادة الدولة في ظل وجود قوة عسكرية مستقلة تمتلك قرار الحرب والسلم أو تحتفظ بقدرات عسكرية خارج السلطة الشرعية، لأن السيادة تعني وحدة القرار الأمني والعسكري داخل الإقليم.

التزامات لبنان الدولية

كرّس القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن عام 2004 مبدأ بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ودعا إلى حل ونزع سلاح جميع الميليشيات.[2] ثم جاء القرار 1701 عام 2006 ليؤكد وجوب ألا تكون هناك أسلحة أو سلطة غير تلك التابعة للدولة اللبنانية، وإنشاء منطقة خالية من أي وجود مسلح بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، باستثناء الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).[3][4]

وبذلك، أصبحت حصرية السلاح التزاماً دولياً يهدف إلى حماية سيادة لبنان واستقراره، ولم تعد مجرد خيار سياسي داخلي. كما أضاف الاتفاق الإطاري اللبناني–الإسرائيلي الموقع في واشنطن بتاريخ 26 حزيران 2026 بعداً سياسياً جديداً، من خلال الربط بين بسط سلطة الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وبين إعادة الانتشار الإسرائيلي جنوباً.[5]

حدود السلطة الأمنية في التفتيش والمداهمة

إن واجب الدولة في ضبط السلاح غير الشرعي لا يمنحها سلطة مطلقة في دخول المنازل أو تفتيشها. فالمادة 14 من الدستور تكفل حرمة المسكن، ولا تجيز المساس بها إلا وفق الحالات والإجراءات التي يحددها القانون.[6] كما تحظر المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصية الأفراد ومنازلهم، بما يفرض أن يكون أي إجراء ضرورياً ومتناسباً ومستنداً إلى أساس قانوني واضح.[7][8]

وعليه، فإن القرار السياسي بحصرية السلاح لا يعفي من التقيد بقواعد الإذن القضائي أو حالات التلبس والأصول المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.[9]

وفي المقابل، لا يجوز استخدام حرمة المسكن ذريعة لإخفاء أسلحة غير مشروعة، لأن الحقوق الدستورية تحمي المواطنين من التعسف، ولا تعطل سلطة الدولة في إنفاذ القانون.

استعادة الدولة عبر القانون

تكمن أهمية المرحلة الراهنة في انتقال النقاش من التنظير إلى اختبار قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها. فإذا عجزت عن بسط سلطتها على كامل أراضيها، بقيت السيادة منقوصة، وإذا تجاوزت الضوابط القانونية في ممارستها للقوة، أضعفت شرعية الدولة نفسها. ومن ثم، فإن المعادلة السليمة تقوم على تطبيق حازم وغير انتقائي لمبدأ حصرية السلاح، بالتوازي مع احترام صارم للدستور والقانون وحقوق الإنسان.

وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل الاتفاق الإطاري الجديد، الذي جعل استعادة الجيش اللبناني السيطرة الفعلية على الأرض عنصراً أساسياً في ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي وإعادة تثبيت الأمن في الجنوب.[10]

إن حصرية السلاح بيد الدولة ليست شعاراً سياسياً، بل نتيجة طبيعية لمفهوم السيادة، ولأحكام الدستور ووثيقة الوفاق الوطني، كما أنها تستند إلى التزامات دولية واضحة، وفي مقدمتها القراران 1559 و1701.

غير أن احتكار الدولة المشروع للقوة لا يمنحها سلطة مطلقة، بل يفرض عليها احترام الضمانات الدستورية والإجرائية التي تكفل حماية الحقوق والحريات. ومن هنا، لا يكمن التحدي الحقيقي في إثبات حق الدولة في نزع السلاح غير الشرعي، فهذا الحق ثابت دستورياً ودولياً، وإنما في قدرتها على ممارسته بحزم وعدالة ومن دون انتقائية، وتحت رقابة القضاء والقانون.

فنجاح الدولة اللبنانية لن يقاس بإعلان مبدأ حصرية السلاح فحسب، بل بقدرتها على تحويله إلى واقع قانوني يرسخ سيادة الدولة الواحدة ويكرّس في الوقت نفسه دولة القانون.

الحواشي

[1] وثيقة الوفاق الوطني اللبناني (اتفاق الطائف).

[2] قرار مجلس الأمن رقم 1559 (2004).

[3] قرار مجلس الأمن رقم 1701 (2006)، الفقرة 3.

[4] المرجع نفسه، الفقرة 8.

[5] بيان الاتحاد الأوروبي بشأن الاتفاق الإطاري اللبناني–الإسرائيلي (27 حزيران 2026).

[6] الدستور اللبناني، المادة 14.

[7] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 17.

[8] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 16.

[9] قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني.

[10] بشأن الاتفاق الإطاري الموقع في واشنطن في 26 حزيران 2026.


tags: