في زمنٍ تتكاثر فيه الشكوك، وتتآكل فيه ثقة الناس بمؤسسات دولتهم، يبقى القضاء الملاذ الأخير، والخيط الرفيع الذي يمنع الانهيار الكامل. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بقول رسول الله ﷺ:
«القُضاةُ ثلاثةٌ ، اثنانِ في النَّارِ ، وواحدٌ في الجنَّةِ ، رجلٌ علِمَ الحقَّ فقضَى بهِ فَهوَ في الجنَّةِ ، ورجلٌ قضَى للنَّاسِ علَى جَهْلٍ فَهوَ في النَّارِ ، ورجلٌ جارَ في الحُكْمِ فَهوَ في النَّارِ ».
يا سيدي القاضي هذا الحديث ليس وعظًا دينيًا فحسب، بل هو مبدأ أخلاقي وقانوني عميق، يضع القاضي أمام مسؤوليته التاريخية والإنسانية. فالحكم ليس سلطة، بل أمانة، وليس امتيازًا، بل عبء ثقيل يترتب عليه مصير ناس وحقوق مدن وكرامة وطن.
نحن لا نطلب سوى العدالة و محاربة الفساد من رأس الهرم حتى القاع. نطلب حكمًا يصدر بحكمة وضمير، بعيدًا عن التدخلات السياسية، وعن الفساد المالي بكل أشكاله، من رشاوى وهدايا وضغوط مقنّعة. نطلب قضاءً لا يخضع لسطوة المال، ولا يهاب التهديد بالسلاح، ولا ينكسر أمام مافيات المخدرات أو شبكات النفوذ. فالقاضي الذي يخاف، لا يحكم، والقاضي الذي يساوم، يهدم ما تبقّى من دولة.
في يومنا هذا، ما يربط الناس بالقضاء وبثقتهم بالقضاة ليس إلا شعرة واحدة. شعرة دقيقة، هشّة، لكنها حتى الآن لم تنقطع. هذه الشعرة هي الأمل الأخير، وهي الحدّ الفاصل بين دولة تُصلح نفسها، ودولة تسقط نهائيًا في منطق الغاب.
لذلك، نرجوك يا سيدي القاضي، لا تقطع هذه الشعرة. بل اجعلها سلاسل من حديد، مترابطة، متينة، لا تهزّها الضغوط ولا تكسرها الإغراءات. اجعل من حكمك رسالة طمأنينة للناس، لا سببًا إضافيًا لليأس. اجعل من قرارك دليلًا على أن العدالة ما زالت ممكنة، وأن القانون لم يمت، وأن القضاء لا يزال قادرًا على أن يكون فوق الجميع.
فحين يحكم القاضي بالعدل، لا ينقذ ملفًا فقط، بل ينقذ ثقة، ويحمي مجتمعًا، ويؤسس لوطن يستحق أن يُبنى…
َهَلْ يا سَيِّدِي القاضِي سَتَقْضِي بِالحَقِّ أَمْ سَتُقضِي عَلَى الحَقِّ