1. Home
  2. إقليميات
  3. جغرافيا بلا أصنام: مخاض الانعتاق والأسئلة السورية
جغرافيا بلا أصنام: مخاض الانعتاق والأسئلة السورية

جغرافيا بلا أصنام: مخاض الانعتاق والأسئلة السورية

0
0

براء الجمعة | مع تباشير عام 2026، لا يُدهشك في شوارع المدن السورية خلوّها من المتاريس، بل خلوّها من “الظلال” الثقيلة. لقد صار الهواء أنقى، لأن تلك الأجساد المعدنية والحجرية التي جثمت على صدور الساحات قد تبخّرت. عامٌ مضى على ذلك الثامن من ديسمبر؛ اليوم الذي انكسر فيه قيد الزمن، وسقطت فيه أسطورة “الأبد” التي حُرست بالبرونز لـ 54 عاماً، لتثبت سوريا في فجرها الجديد أن الذاكرة، مهما طال حبسها، هي التي تمنح الجغرافيا معناها، لا الحجر الأصم.
 
لم تكن تماثيل الأسد الأب، ومن بعده الابن، مجرد نصب تذكارية وضعت لتزيين الساحات؛ كانت “نقاط ارتكاز” لسلطة لا تُمارس القمع بالسياط فقط، بل بالبصر. وكما يحلل ميشيل فوكو، فإن السلطة تنتج حقيقتها الخاصة. في سوريا، أُنتجت حقيقة بصرية مفادها أن “الأسد أو نحرق البلد” هي معادلة وجودية لا فكاك منها. كان التمثال هو “العين” التي لا تنام، والخطاب المتجسد الذي يملي على المارة من يستحق التبجيل ومن يُمحى من السجل.
 
خمسون عاماً من “احتلال الذاكرة” جعلت من الميادين السورية فضاءات “موحشة” رغم ازدحامها، لأنها كانت فضاءات مخصصة لتمجيد الذات الواحدة وإلغاء الجماعة. حين سقط تمثال “حافظ”، في ساحات سوريا، لم يكن البرونز هو ما انهار، بل انهارت “هيبة الفراغ” التي بناها النظام حول نفسه كقدسية زائفة. كانت تلك اللحظة هي إعلان استرداد الحيز العام لصالح الإنسان السوري.
 
في تلك اللحظة الفاصلة من عام 2024، كان المشهد سريالياً بامتياز. الحشود التي التفت حول أعناق التماثيل بالحبال لم تكن تمارس “تخريباً”، بل كانت تمارس “فعل تأويل” جديد للتاريخ السوري. إن جرّ التماثيل في الشوارع هو طقس لاسترداد الفضاء العام الذي صودر منذ انقلاب 1970.
 
إن سقوط أصنام الأسدية في الساحات والمدن السورية هو التطبيق العملي لمفهوم (damnatio memoriae) أو “محو الذاكرة” الروماني، لكن بنسخة سورية أكثر عمقاً. السوريون لم يكتفوا بتحطيم الحجر، بل حطموا “أسطورة الأبد”. وكما كتب الشاعر شيلي في قصيدته عن “أوزيمانديس”، فقد نظر السوريون إلى بقايا التماثيل المحطمة وأدركوا أن تلك القوة التي بدت أبدية في صلابة البرونز، كانت هشة كالرمل أمام إرادة استعادة الكرامة.
 
يقول الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين: “كل وثيقة حضارية هي في الوقت نفسه وثيقة بربرية”. هذه المقولة تتجلى في تماثيل الأسد بأبشع صورها؛ فخلف كل انحناءة في برونز التمثال، ثمة آلاف الضحايا الذين سُحقوا في تدمر وصيدنايا، وتحت ركام الأحياء التي دمرتها البراميل المتفجرة.
 
إسقاط التمثال في سوريا لم يكن مجرد إزالة لقطعة فنية قبيحة الملامح، بل كان كشفاً لهذه الطبقات المدفونة من المعنى. كان طقساً لإخراج الأرواح المعذبة من تحت قواعد تلك النصب. فكل صنم سقط، كشف تحته عن مقبرة جماعية للفكر، للحرية، وللإنسان السوري الذي حُوّل قسراً إلى “مصفق” لعقود. وكما قال الشاعر عمر أبو ريشة: “أمتي كم صنمٍ مجّدته / لم يكن يحمل طهر الصنمِ”.
 
بينما نستقبل عام 2026، نحن أمام تحدي “ملء الفراغ”. لقد حذرنا المفكر إدوارد سعيد من أن المقاومة الحقيقية ليست في رفض الهيمنة فقط، بل في بناء بدائل حقيقية لها. الخطر الذي يواجهنا اليوم ليس في عودة التماثيل المعدنية، بل في احتمال بقاء “عقلية الصنم” كامنة في الزوايا المظلمة من وعينا الجمعي.
 
الحرية التي نعيش نسائمها اليوم في الذكرى السنوية الأولى للتحرير، لا تأتي من تحطيم البرونز، بل من تفكيك المنطق الذي جعل البرونز يُنصب أصلاً. المنطق الذي يقدس القائد، ويخون المعارض، ويجعل من الدولة ملكية خاصة. إن استرداد الساحات يعني تحويلها إلى أماكن للحوار، للاختلاف، وللفن الحقيقي الذي يمجّد الإنسان العادي، لا “نصف الإله” المزعوم.
 
نحن الآن نقف على مشارف عام جديد، وسوريا لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، تبدو كـ “لوحة بياض” كبيرة. التماثيل التي سقطت تركت خلفها فجوات في أرصفة المدن، لكنها تركت أيضاً فجوات في بنية السلطة القديمة يجب أن تملأها مؤسسات العدالة والقانون.
 
“السؤالُ التالي” هو السؤال الجوهري الذي يواجه السوريين اليوم: ماذا نبني مكان “حافظ” و”بشار”؟ ليس الخوف من طاغية جديد يملأ القاعدة الحجرية، بل الخوف من أن نكتفي بالاحتفال بالسقوط دون إنجاز “البناء”. إن بناء البديل هو الفعل الثوري الحقيقي الذي يمنع التاريخ من تكرار نفسه كملهاة سوداء.
 
لقد أثبت الثامن من ديسمبر 2024 أن “الخلود” ليس صفة تُمنح للمعادن، بل هي حق يُكتسب للشعوب التي ترفض الموت. التماثيل التي سقطت في سوريا هي الآن “خردة” في مقبرة التاريخ، أما الذاكرة السورية التي حاولوا خنقها، فقد انبعثت لتعلن أن “الجغرافيا بلا أصنام” هي جغرافيا تتنفس أخيراً، ولتقول للعالم: إن “الحق في النسيان” لا يقل أهمية عن “الحق في التذكر”. لقد اخترنا أن ننسى الطاغية، ونذكر الشهيد، ونبني وطناً لا يرتجف فيه طفل أمام تمثال صامت.
 
بينما نطوي صفحة 2025، لم يعد البرونز هو ما يحدد هوية مدننا، بل هي ملامح الوجوه التي استعادت ملامحها الأصلية، الوجوه التي لم تعد تخشى الظل الثقيل لتمثال، بل باتت تستقبل الشمس التي تشرق لأول مرة على “سورية الحرة”.
 
المصدر: صحيفة الثورة السورية


tags: