1. Home
  2. ولكن
  3. آخر أيام المرشد ..
آخر أيام المرشد ..

آخر أيام المرشد ..

0
0

د. عمر الفاروق النخال | لم تعد إيران تعيش أزمة عابرة يمكن تطويقها بحزمة إجراءات ولا بتبديل وجوه، فما يجري اليوم هو لحظة افتضاح كاملة لنظام استنفد زمنه التاريخي، وبلغ حدّه الأقصى في إنتاج الأعذار، وبات عاجزًا عن إنتاج أي معنى سياسي مقنع لشعب أنهكته الشعارات أكثر مما أنهكته العقوبات.

من هنا، لا يمكن قراءة الاحتجاجات الراهنة بوصفها انفجارًا اجتماعيًا فحسب، بل باعتبارها إعلانًا غير مباشر عن نهاية نموذج المُحتضن موقع المرشد نفسه.

سبعة دولارات إضافية على الرواتب لمواجهة الانهيار المعيشي ليست رقمًا اقتصاديًا، بل وثيقة اعتراف صريح بأن السلطة لم تعد تملك أدوات إدارة الدولة، ولا حتى الجرأة على الاعتراف بحجم الكارثة، فحين تختصر دولة بحجم إيران غضب شعبها بهذا الرقم، فهي لا تسخر من فقره فقط، بل من صبره أيضًا.

فببساطة، لم يعد السؤال عن تحسين شروط العيش، بل عن جدوى استمرار منظومة تحكم باسم الدين وتفشل في تأمين أبسط شروط الكرامة.

وقبل هذا المشهد الداخلي المتآكل، جاءت حرب الإثني عشر يومًا مع إسرائيل والولايات المتحدة لتكسر صورة الردع التي طالما تغنّى بها النظام. الضربات التي طالت القدرات النووية والصاروخية لم تكن مجرد خسارة عسكرية، بل ضربة رمزية قاسية لمفهوم “الحصانة”.

ففي يونيو 2024، وجد الإيراني نفسه أمام حقيقة عارية تقول إن كل هذا الاستثمار في الجبهات الخارجية لم يحمه من الانكشاف، ولم يمنح اقتصاده مناعة، ولم يؤمّن له مستقبلًا.

مشهدية تسهّل على أي مراقب القول بأن السيد علي خامنئي هو المرشد الديني الأخير لإيران، وهذا أقرب إلى توصيف واقعي منه إلى تمنٍّ سياسي، لأن المسألة لم تعد مرتبطة بعمر الرجل أو بصحته فقط، بل بانهيار الوظيفة التاريخية للمرشد كمرجعية جامعة وهذا الإدراك بدأ يتسلل إلى داخل النظام نفسه منذ مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي، اللحظة التي بدا فيها الفراغ أوضح من أي وقت مضى، فسرى حينها التداول الهادئ – وإن غير العلني – بسؤال ما بعد المرشد، وجدوى استمرار الحكم الديني أصلاً.

فوز مسعود بزشكيان بالرئاسة جاء على وقع هذا التصدّع، بحيث خاض الرجل حملته بخطاب إصلاحي واضح، خاطب جمهورًا متعطشًا لأي نافذة أمل، وراكم توقعات تجاوزت شخصه، لكنّه ما إن اقترب من لحظة التنصيب حتى تبدّل الخطاب، وانخفض السقف، وتحوّل الرجل من حامل مشروع إلى أداة تهدئة. هذا التحوّل لم يكن ناتجًا عن مراجعة فكرية، بل عن وظيفة سياسية محددة قوامها شراء الوقت للمرشد، وتأجيل الانفجار، ومنح النظام هامش تنفّس إضافيًا.

إحباط القاعدة الإصلاحية لم يكن خطأً في التقدير، بل جزءًا من الحسابات، فالسلطة لم تعد تبحث عن إصلاح حقيقي، بل عن إدارة انتقال مؤجّل بأقل كلفة ممكنة، فلم يُسمح بأن يكون جسرًا إلى تغيير، بل حارسًا مؤقتًا للاستقرار الهش. وفجأة بات هذا الاستقرار نفسه هشًّا إلى درجة فقدان المعنى، لأن الشارع الإيراني تجاوز مرحلة انتظار الخطاب، وبدأ يطالب بتغيير البنية لا الوجوه.

وفي هذا المناخ، لا تبدو التسريبات عن احتمال انتقال المرشد إلى موسكو مجرد شائعات عابرة، فسواء كانت دقيقة أو مُضخّمة فإنها تؤدي وظيفة سياسية واضحة هدفها تهيئة الذهن العام لفكرة غياب المرشد وأسهل الأدوات لذلك كان ترويج الحديث عن خشيته من عملية أميركية شبيهة بمحاولة اختطاف مادورو مما يكشف حجم القلق داخل النظام من لحظة الانفلات، ومن فقدان السيطرة على شكل الخروج.

الحرس الثوري والدولة العميقة يدركان أن المشكلة ليست في الغياب بل في مشهده!

لذلك يُرجّح أن يكون أي انتقال محتمل مغلّفًا بسبب صحي أو “ظرف إيراني غامض” كما جرت العادة، حفاظًا على الحد الأدنى من التماسك، وتمهيدًا لتحويل النظام تدريجيًا من حكم ديني مباشر إلى صيغة سياسية أقل فجاجة، ولو شكليًا.

ما ضاع على الإيرانيين ليس سنوات فقط، بل أعصاب كاملة وأجيال عاشت على وعود تآكلت.

الشعارات الكبيرة التي رفعت باسم الثورة والاستقلال انتهت إلى اقتصاد منهار، ونظام مرتبك، وشعب لم يعد يصدّق.

المرشد قد يكون في طريقه إلى الخروج، لكن الخسارة الأكبر هي الزمن الإيراني الذي أُهدر في خطاب فارغ، سينتهي بأصحابه، فيما يبقى الشعب وحده أمام مهمة شاقة تتمثل بإعادة بناء واقع ومنطق وعقل بعد سقوط الأسطورة.



tags: