كما حدث في غزة ومع حماس، يمتنع حزب الله عن الإقرار بأن حرب “المشاغلة” التي أطلقها أدت إلى نكبة مخيفة، تتطلب سنوات حتى يبرأ منها لبنان هذا إن حدثت معجزة وتم وقف النار اليوم. وواضح أن زنار النار الذي يلف نصف لبنان على الأقل من صور إلى بعلبك، والذي أسفر عن مجازر جماعية خلال الليل الفائت، معطوف على إتساع الدمار الممنهج للقرى وبلدات الحافة الأمامية، يريد العدو من خلف ذلك تدمير البلد وتهديد الوجود، وتشتيت كتلة ديموغرافية لبنانية من المواطنين الشيعة من ضمنهم أنصار لحزب الله وما يعرف ب”بيئته” اللصيقة، الأمر الذي يمكن العدو من جعل مناطق من جنوب لبنان تحت سيطرته مجدداً كقوة إحتلال.
هذا النهج الخطير إلى تصاعد، لا يوقفه أو يعطله إلحاق المقاومين خسائر جدية بالقوات الإسرائيلية، التي إخترقت العديد من البلدات الحدودية. والحديث المنسوب إلى النائب محمد رعد من أن “الميدان هو الحكم وله القول والفصل” خطير ومقلق، لأن المبادرة في الميدان بيد العدو، وحديث رعد عن النصر ذروة في الإنكار والتبجح والرعونة والإستخفاف بحجم النكبة المتأتية عن حرب الحزب مساندة لغزة. فهل يامل المواطن اللبناني ان حزب الله يمكن ان يعيد قراءة الوضع والتبصر بمصير البلد واهله بعد انتخاب نعيم قاسم اميناً عاما له؟ هنا ينبغي اعادة التاكيد بان النهج العدواني للعدو، كما إصرار طهران على المضي بالمقاومة، يلتقيان على خراب البلد. لذلك ماذا تنتظر قوى التسلط أكثر لتتحمل شيء من المسوءولية الوطنية ورائحة الموت في كل مكان، والعدو يمسح عن وجه الأرض بلدات ضاربة جذورها في التاريخ؟
المفترض اليوم بالقوى السياسية اللبنانية التي تتحمل مسؤولية تقديم البلد لقمة سائغة للعدو، أن تستمع إلى أنين الجرحى والأمهات الثكلى وتلتفت إلى الوجع الذي يسود لبنان فتتحمل مسؤوليتها الأخلاقية، وتذهب إلى إعادة تكوين السلطة. لا بديل عن إنتخاب فوري لرئيس للجمهورية حتى يكون ممكناً تشكيل حكومة خلاص وطني تقطع مع زمن حكومات المحاصصة والنهب، كي يتاح للبنان القدرة على خوض مواجهة سياسية وديبلوماسية تفرض وقف النار، وتضع لبنان على سكة التعافي من خلال بدء التطبيق الكامل للقرار الدولي 1701 ببسط السيادة كاملة على كل التراب اللبناني، فتمنع مخطط العدو إعادة الإحتلال مباشرة أو بالنار، وتطلق بالتوازي معركة عودة المهجرين قسراً أياً كان الثمن،ومرحلة الإصلاحات السياسية والإقتصادية لإستعادة البلد وحماية أهله.
اللقاء النيابي الذي إنعقد أمس، وناقش خطورة وضع النزوح ومخاطر محاولات الإستثمار في مآسي الناس، مهم لكنه غير كافٍ. كان المطلوب أن يكون اللقاء فرصة لأن يقوم المجلس بدوره كمؤسسة صانعة للسياسة الوطنية، تحدد المسار المطلوب للإنقاذ، ويتحمل النواب مسؤوليتهم بإنتخاب رئيس للجمهورية ينهي الشغور ويوجه رسالة للقوى الدولية بأهمية التغيير وإستعادة القرار والمرجعية. وحده تحرك نيابي لإعادة تكوين السلطة يسحب قرار البلد من يد ملالي طهران، ومعروف أنهم عاقدون العزم على أن يبقى لبنان جبهة مشتعلة تخدم مخطط إبرام طهران الصفقات مع الأميركيين وتالياً الصهاينة. إن المضي بتحميل لبنان ما يفوق قدرته كدولة وككيان، بالتمسك بالخيار العسكري، بعد تحرير أنجز عام الفين، والمضي بالإتهام والتخوين وفحص الدم، كما هو بارز اليوم في جريدة الأخبار الصفراء، سيفاقم من حجم الفواجع والمجازفات التي بينت التجارب أنها شديدة الدمار وتهدد بتلاشي البلد.