إنها المعركة الأهم بتاريخ فرنسا الحديث ستنعكس نتائجها مباشرة على كل أوروبا وتؤثر في سياساتها. الأكيد أن السياسات التي إتبعت، خصوصاً، منذ السنوات الأخيرة من رئاسة شيراك فرئاسة ساركوزي ثم هولاند وصولاً إلى ماكرون، هي ما أوصل فرنسا إلى الإنقسام الراهن. منذ 20 سنة تقريباً بدأ الإنقضاض على مكاسب تاريخية للفرنسيين لجهة الأجور وساعات العمل وسن التقاعد والإستشفاء والإجازات والمساواة وسواها. نهج مبرمج صب في خدمة مصالح قوى الرأسمال المتوحش، وعجز اليسار المتراجع والمشرزم عن لجم هذا المنحى الذي تعزز إثر سيطرة الإتجاهات اليمينية على الحزب الإشتراكي، فبدأت تنتقل الكتلٍ العمالية والوسطية من خانة تأييد اليسار إلى خانة القوى المتطرفة الفاشية الجديدة غير المجربة،(في الثلاثينات نجح هتلر وإن بظروف أخرى في إستقطاب الفئات الأشد عوزاً). في ذلك الزمن لم تكن الهجرة والأمن هما السبب الأبرز لنمو هذه القوى التي شكلت ظاهرة جديدة صاعدة في المجتمع الفرنسي. لقد كان الطلب يتنامى على العمالة الأجنبية خصوصاً في الزراعة والبناء ومجالات أخرى.
دعونا نتذكر أن القيادي الإشتراكي آنذاك جان لوك ميلانشون إنشق عن الحزب الإشتراكي وأطلق “جبهة اليسار” ليخوض الإنتخابات في العام 2012(عاد وشكل لاحقاً مع آخرين حزب “فرنسا الأبية”). دق ميلانشون جرس الإنذار من خطر تقدم القوى المتطرفة اليمينية الفاشية التي إستفادت من السياسات التي مالآتها، وحذر من أن ما تشهده فرنسا سيفضي إلى إفقار الفرنسيين وضرب المساواة وقضم الحريات وإنتهاك قيم الجمهورية. كان ميلانشون واضحاً أنه خلال 15 سنة تقريباً ستخوض قوى اليسار بوجه القوى الفاشية معركة الدفاع عن قيم الجمهورية في “الحرية والإخاء والمساواة”، وتوقع إلتحاق القوى الساركوزية وبقايا الشيراكية باليمين المتطرف. إنه الأمر الحاصل الآن!
تخوض “الجبهة الشعبية” اليسارية( تذكر جزئياً بالجبهة الشعبية عام 1936 التي إنتصرت على الفاشية) معركة حقوق الفرنسين ودفاعاً عن مكتسبات وقيم هي ثمرة نضالات وجهود وعرق كل الشعب الفرنسي. تقدمت ببرنامج حكم معلن في حال منحتها صناديق الإقتراع إمكانية تشكيل الحكومة الجديدة ما بعد 7 تموز. لكن ما يجدر التوقف عنده هو بعض ما يبشر به “التجمع الوطني” المتطرف، فقد أثارت مارين لوبن باكراً صلاحيات رئيس الجمهورية رافضة أن تستمر بين يديه السياسة الدفاعية والخارجية. في ذلك مقدمة لمنحى يطرحه “التجمع الوطني” وهو العسكرة التي تتطلب تخصيص ميزانيات كبيرة لزيادة عديد الجيش وقوى الأمن الداخلي ونوعية التسليح. أما في السياسة الخارجية فعناوينهم نقيض سياسات فرنسا اليوم وعلى سبيل المثال فهم يدعمون بشكل مطلق التوحش الإسرائيلي ويعتبرون أن الإعتراف بدولة فلسطينية يُعدُّ مكافأة للإرهاب(..)، وهم أعلنوا أنهم سيوقفون المساهمة المالية الفرنسية المخصصة لغزة.. والأخطر أن البشرية ستفتقد الصوت الفرنسي العاقل في مجلس الأمن الدولي.. وبالنسبة للبنان فمن غير المستبعد أن يطرح موضوع إنسحاب فرنسا من اليونيفيل كرمى سياسات العدو الإسرائيلي. فيما ستتراجع فرنسا على الصعيد الأوروبي عن الإلتزامات بشأن أوكرانيا. إنهم أبرز حلفاء القيصر الروسي بوتين، وهنا نفتح مزدوجين كي نشير إلى أن المصارف الروسية “أقرضت” مارين لوبن كل ما طلبته، بعدما قالت لوبن أن المصارف الفرنسية أهملت طلباتها!
أما السياسات الإقتصادية لليمين المتطرف فهي شديدة الخطورة. ترتكز على عنوان الحماية الإقتصادية وفرض قيود على التجارة الحرة وزيادة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة بهدف الحد من الإستيراد. وهذا أمر سيرتد على المستهلكين لأنه سيرفع تكلفة المعيشة ويهدد القدرة التنافسية..أما التعهدات بدعم مالي لشركات ومؤسسات متوسطة وصغيرة فيطرح الأسئلة، خصوصاً وأن برنامج اليمين المتطرف يدعو في نفس الوقت إلى تجزئة وبيع كهرباء فرنسا وهي أكثر مؤسسة عامة فرنسية ناجحة تحقق الربح. على الأرجح ستفضي كل هذه السياسات وخصوصاً الحماية إلى التقليل من الحوافز لتحسين الكفاءة والإبتكار. كما ستفتح على فرنسا الحروب التجارية من خلال إجراءات مماثلة ما سيعني إنخفاضاً في الصادرات الفرنسية ولجم الصناعات والحد من قدرتها على التصدير وتالياً على التطور!
يبقى فوق هذه الأخطار ما هو أكثر خطورة. إنهم يطرحون خفض الإنفاق الحكومي على البرامج الإجتماعية والهدف المعلن هو تخفيف العبء الضريبي على الفرنسيين. يعني ذلك أنه سيتم التصويب على الأجور وموازنات التعليم والإستشفاء والرعاية الإجتماعية والتقاعد، كي يكون متاحاً محاباة الأثرياء وتخفيف الضرائب عنهم، أي إن الإتجاه هو لإفقار الفرنسيين والمس بكل القيم التي ميزت هذه الجمهورية.
ما تقدم غيض من فيض. لكن لبعض اللبنانيين من أنصار الأحزاب اليمينية، وكثر من بينهم أدعياء سيادة على وسائل التواصل الإجتماعي، ويحملون الجنسية الفرنسية و”ضبطهم” هذه الجمهورية بقيمها..، فقد سارع بعضهم لنشر صورهم مع مارين لوبن، كما إبتهج البعض الآخر بنتائج الجولة الأولى وكل ذلك من من موقعٍ طائفي مقيت. لكل هؤلاء سأعيد نشر تغريدة الناشطة السياسية داليا عبيد التي كتبت: “ما تفكر يعني إذا أنت من مسيحيي الشرق، بتصير لوبان تعتبرك gaulois. ولك حبيبي بس بدها مدام لوبان بتردنا كلنا شمص”!