جهاد شمص
البعض يعاملنا وكأننا زلنا من الوجود او كأننا رحلنا عن هذا العالم. آذان صماء، تجاهل كامل ولو أنهم يرسلون بين الحين والحين إشارة شكلية بوجه باهت باسم وكأن شيئا لم يكن. اجتمع الفيروس مع الخساسة فأضحى الكذب والهروب من الحقيقة نتيجة طبيعية والادهى انكم لا تخدعون أحدا، لا بل لا تخدعون حتى أنفسكم لإيهام ذاتكم بأن كل شيء على ما يرام وستسوى الأمور بقدرة قادر وستمر الازمة ونسامحكم. وال “أنتم” لا تقتصر على أطراف السلطة ومكوناتها فحسب بل تشمل أيضا ابواقها بالإضافة الى المحبطين والمعتكفين وعابري سبيل الثورة المتخليين عنها مزاجيا او قنوطا وقانصي الفرص والمتسلقين ومنتحلي الصفة بخبث ورياء.
ثورة 17 تشرين لم تكن كرنفالا واحتفالات للتعارف وبناء علاقات. إنها ثورة الغضب والحب. تلاقى الافراد القادمون من هويات ورثوها ليكتشفوا انهم ينتمون جميعا الى إنسانية ومواطنية واحدة. أتوا من اصقاع ومشارب مختلفة يدفعهم التوق الى التحرر من الاذلال وشظف العيش ليجدوا انهم كثر واقوياء. ويتشاركون الغضب الذي جعلهم احباء مع آخرين لم يعرفوا عنهم شيئا من قبل. مسيرة اشهر صدحت فيها الاهازيج والشعارات في انسجام وتناغم لم تتمكن الأصوات النشاز من بلبلته.
الوباء والخساسة لن يعيشا طويلا، والكذب والتوهم سيحيدان امام الحقائق المؤلمة. سيعود نور الثورة وتنقشع غياهب الظلمة فاضحة الرياء والخبث والتزلف.
استكانة الثوار نتيجة الحجر لا تحد من تراكم غضبهم المتعاظم. لابل بدأ العديد منهم يتأهب لإطلاق العنان لصراخه المكتوم. يتناقشون ويتداولون فيما بينهم: كيف؟ ما العمل؟ أين؟ يتماسكون وينسقون ويجتمعون عبر الهواتف ووسائل التواصل غير آبهين بالتنصت والترهيب. يهيئون العدة والشعارات والمهام ويتطلعون الى حين يسترجعون الساحات والشوارع من مخالب الفيروس وسلطة المحاصصة المتصدعة.
التساؤل المشروع والمبرر، هل باستطاعة هذا الغضب ان ينتظر انقشاع الوباء وحكومة الواجهة ومن خلفها منظومة الفساد وحماتها تتمادى في تجاهل حقوق الناس وتستمر في نهبهم وتجويعهم واذلالهم وتعريضهم لخطر المزيد من الافقار وشظف العيش والموت؟؟؟؟
الثورة لم تعد لتتحمل هذه المراوحة المفروضة ولا تمادي السلطة باستغلال الحجر للتصرف وكأن 17 تشرين لم يكن. حملة تحالف مكونات السلطة وكارتل المصارف والسلاح الذي يحميهم والاعلام الذي يسوق لتلميع صورهم ولتصوير استعراضاتهم الخيرية وكأنها من مكارم أخلاقهم، وهي فتات يسير ومذل مما نهبوه، تهدف الى إعادة المواطنات والمواطنين الى حظائر الطوائف-الكانتونات متوهمة ان الانصهار الوطني الذي كونته الثورة قد زال.
فلنعيدهم الى الواقع بعودتنا الى التعبير عن استمرار رفضنا لهم وتصميمنا على كنسهم ومحاسبتهم لكي نتمكن من بناء دولة المواطنة ومستقبل واعد. تباحث ومناقشات مجموعات الثورة أتى بأفكار خلاقة ومبدعة لمتابعة الاحتجاجات (تجمعات ووقفات احتجاجية بأعداد تتناسب ومتطلبات الوقاية، الهتاف والنشيد الوطني وقرع الطناجر وانارة الشموع على الشرفات والاسطح، البيانات والمواقف السياسية والمنشورات، التغريدات والتصريحات عبر وسائل التواصل، الرسوم والكتابة على الجدران وغيرها. لكن هذه الاذان الصماء تعاند وتتجاهل، فلا بد من رفع الصوت والتحرك بفعالية اكثر.
وقد أتى البعض باقتراحات جديرة بالبحث والمتابعة وصولا الى ممارستها على نطاق واسع وعام. فمن الممكن رغم تدابير السير بالأرقام المفردة والمزدوجة تنظيم مسيرات سيارة في مختلف المناطق وبتوقيت منسق وبشعارات موحدة، وكذلك يمكن القيام بتجمعات للسيارات في ساحات عامة لا بل واقفال رمزي حين يتطلب الامر ذلك. كما يمكن للمحامين الثوار رفع دعاوى لدى المراجع القضائية والدستورية حول العديد من ملفات الهدر والفساد وسوء الأمانة وخروقات الدستور والقوانين. وباستطاعة الفنانين والمبدعين والإعلاميين كل في ميدانه اصدار فيديوهات وملصقات وتنظيم معارض في العالم الرقمي والافتراضي لبث المزيد من الوعي التحريضي. كما اننا جميعا مدعوون للمساهمة في التكاتف الاجتماعي النزيه والمحافظ على كرامة المحتاجين على عكس ما تمارسه الأحزاب الطائفية وسعاة تلميع الصورة من امتهان للكرامات وابتزاز طائفي لإجبار المحتاجين على الالتحاق بحظيرة الزعيم ورعيته.
إن عجز سلطة المحاصصة والفساد وحكومة الواجهة التي ابتدعتها وحماة هذه المنظومة المتصدعة والمتشبثة بالحكم والتحكم بالبلاد واستنزافها حتى الرمق الأخير، انما يشكل حافزا للثوار لابتكار اشكال جديدة ملائمة للوضع الاستثنائي الراهن لاستكمال مسار الثورة وحشد قواها لإسقاط هذه المنظومة.