حاول حازم صاغيّة في كتابه ” هجاء السلاح- المقاومات كحروب أهليّة مقنّعة ” ( الصادر عن دار السّاقي –طبعة أولى 2011 ) أن يكون إشكاليّا بقدر ما يكون ساردًا فوضع على مدى ستة فصول علاقته بالقارىء على سكّة التقلي والتقليّ المضاد أو كما يقال في النهج الجدليّ طرح وطرح نقيض ولم يبتغِ الكاتب أن يكون هيغيليًّا إلى آخر المسار فلم يبحث عن المطلق سواء حين تطرّق بموضوعيّة حادّة تجاه العراك الفيشي الديغولي في الفصل الأول أو حين عرّى بقسوّة وتوثيق مقنّع في الفصل الرابع الهالة المقدّسة للمقاومة الشيوعيّة في الفيتنام من جهة وجهود الخمير الحمر في كامبوديا وعلى رأسهم الماويّ ممارسة بول بوت…
ممّا دفعه إلى التمركز كتابة وسردًا عند اشكاليّة موحّدة :”كيف استطاعت المقاومات أن تفجّر حروبًا أهليّة ظاهرة ومقنّعة في بلادها بعد اقتلاع الكولوناليّة من جذورها؟”
التأريخ بذاتيّة أو إعادة القراءة…
لعلّ العمليّة البحثيّة أو الكتابة التواصليّة لا سيّما كتابة جملة من المقالات تستوجب على كاتبها الخروج من دائرة التضمين والذاتيّة ومن هنا أتى التعريف المدرسانيّ لكلمة مقالة على أنّها نصّ نثريّ مرسل يطلب من كاتبه الحياد والتحلّي بأسلوبٍ علمي، إلّا أن صاحب كتاب “نانسي ليست كارل ماركس “(دار الساقي، 2009 ) قد انعطف نحو ذاتيّته المبتغى منها التنظير والنقّد وليس الإبداع، فعلميّة التلقّي تتطلّب من الكاتب أن يتقبل نصّه بالدرجة الأولى ومن أولى اشارات هذا الاستقبال كان البحث والعودة الى الأصل، فعلى مدى ستة فصول لم نجد إنزياحًا أو تغييرًا في تكتيك الكتابة وهذا ما يضعنا أمام محاولة جادّة لربط السياق بالمزاج الكتابيّ وينفي خاصيّة موت المؤلف التي تبنّاها البنيويّون لسنوات، فالحديث مثلاً عن أصل السباق الى تحرير الجزائر المسبوق بما قاله فرحات عبّاس رئيس وزراء الجزائر الأسبق حول يأسه من البحث عن الجزائر ككيان وطنيّ، خير دليل على أنّ ما ورد من تدعيمات بحثيّة ومسوّغات أدبيّة وصحفيّة في الفصول اللاحق هو عمليّة ممنهجة لاخراج السياق من التعريف بالواقع إلى إعادة قراءته واثباته ( انتهاء فصلا الجزائر بانقلاب بوميديان على بن بلة وإدانة الكاتب المضمرة لهذا الحدث+ التعبير الغنائي التراجيديّ عن حال فيتنام بعد “انتصار ” الشيوعيين عسكريًّا وخروج الولايات المتّحدة الأميركيّة من الجزء الجوهريّ من مستعمرة الهند الصينيّة عام 1975)…هذا التعبير الذاتي موضوعاتيًا والتواصليّ اسلوبيًّا يؤكد أن صاغيّة يحاول الإجابة عن تصوّر أو تسويغ فرضيّة لديه وهو قلّما ما نجده في مقالة أو مقالات كون هذا الشكل النثريّ يتسّم خصوصًا في عالم الصحف بالبانوراميّة والإيجاز ما بعد القرن العشرين ودخول الصحافة الرقميّة.
والحقّ أن الكاتب عبّر أيضًا عن قدرته على اتبّاع منهجيّة واحدة لاحداث مختلفة ومتغايرة في تحوّلاتها ومحرّضات انعطافات البلاد التاريخيّة مثال اتخاذ حرب ايرلندا الأهليّة طابعًا طائفيًا بينما حرب الفيتنام طابعًا ايديولوجيًّا وحرب الجزائر طابعًا استعماريًا/ عرقيًّا…هذا الاختلاف يسجّل عرضه للكاتب كونه حافظ على منهج واحد نقديّ وهو المنهج التاريخي المعتمد على القراءة كتقنيّة نقديّة حديثة تفرز قراءة ذاتيّة لحقبات عفى الزمن عن ذكرها.
التوثيق وهفوات التواصل القرائيّ
لم تخلُ الهيكليّة السرديّة أو المعالجات شبه البحثيّة من هفوات وبعض التصدّعات الشكليّة التي تؤثّر على العين الباحثة ، فمؤلّف كتابيْ بعث العراق وبعث سوريا (صدرا عن دار الساقي أيضًا تباعًا عامي 2003 و 2012 ) قد وقع في فخّ المقدّمات القديم الجديد حين استفاض بشكل مسهب وبانوراميّ في آن ممّا أنهك القارىء خصوصًا أنّه تطرق إلى أمثلة خارج السياق المعالج وتحديدًا واققع بعض “المقاومات” الآن كحال حزب الله بعد عامي 2000 و 2006 ومدى اقترابه وابتعاده من مفهوم المقاومة واقتناعه كتنظيم بفهموم الدولة والسيادة، ومن ناحية ثانية فإنّ الكاتب قد أهمل معايير التوثيق فعلى صعيد المتن لم يظهر إلا شكل واحد من أشكال التوثيق الكلاسيكي وهو التوثيق بتصرّف دون تحديد منهجيّة التوثيق سواء كانت حديثة أو قديمة “توثيق الحاشية” بالإضافة إلى عدم ذكر قائمة المصادر والمراجع الذي يشكّل مطبًّا مباغتًا للقارىء فبدلاً من قراءة الكتاب أعزلاً من دون دفتر و قلم للتدوين سيضطر المتلقي لممارسة دور التلميذ والباحث لاخذ المراجع وهي مكلاحظة شكليّة نسقيّة تتكرّر كهفوة أو خطأ غير متعارف عليه في أكثر من كتاب لدى الكاتب نفسه منها نانسي ليست كارل ماركس أو لدى سواه من الكتّاب والمفكّرين…هذا الجانب الأكاديميّ يفرض كون الموضوعة تفرض نفسها بغلافها الاشتغاليّ الأكاديمي ممّا يضعنا أمام فهارس لن تهمّ بالضرورة القارىء المتمكّن كفهرسي الأعلام والأماكن رغم ضرورة وضعهما.
اقترب حازم صاغيّة من سلسلة الأوراق البحثيّة في كتابه الآنف الذِكْر لنسأله هنا هل هو تغاضٍ عن النسق الشكلي أم محاولات متابعدة الأزمنة للإجابة على إشكاليّة واحدة؟ وإذا كان كاتب “وداع العروبة” (دار السّاقي، 1999) قد هجا السلاح في حقباته الماضية كيف وبأيّة حجج يهجوه اليوم؟
من أشهر ما كلّل خطاب الرئيس المصري جمال عبد النّاصر (1918-1970) :” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ” وما بين ما قاله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (1929-2004) عن الثورة على أنّها ليست مجرّد بندقيّة بل هي نبض شاعر …يبقى السؤال الذي لمّح صاغية له بشكل غير مباشر في مقدّمته هل الثورة السلميّة سلاح يستحقّ الهجاء والنقد دومًا؟