كأن المقريزي، قبل 600 سنة ونيّف، كان يرى ما نعيشه اليوم في لبنان!
في العام 1420 روى المقريزي،العالم والمؤرخ المصري، عن معايشته السلاطين والولاة، فكتب أن فسادهم أدى إلى إنهيار العمران وتدهور معيشة الناس: “صار هؤلاء، أي السلاطين والحكام والولاة في بلاد الشام (ضمناً لبنان) ومصر، من أرذل الناس وأدناهم وأخسّهم قدراً وأشحهم نفساً وأجهلهم بأمر الدنيا وأكثرهم إعراضاً عن الدين. ما فيهم إلاّ من هو أدنى من قردٍ، وألصٍ من فأرة، وأفسد من ذئب، فلا جرم إن خربت أرض مصر والشام من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات بسوء إيالة الحكام وشدة عبث الولاة وسوء تصرف ولي الأمر”!
لقد أخطأ المقريزي فالملك”الظاهر برقوق” وأضرابه في أرض الكنانة، كانوا إلى حدٍ ما يشبهون البشر، وأحياناً يعرفون شيئاً عن وجع الناس، وأحياناً يتأثرون، فيما ما من نكبة توازي النكبة التي ضربت لبناننا، فتحكم برقاب العباد تحالف مافياوي جمع أحقر اللصوص وأفسد خلقِ الله وأشدهم إجراماً وتبعية للخارج.
حتى أن التفجير الهيولي من حيث القوة والعصف الذي دمّر المرفأ ورمّد قلب العاصمة وقتل المئات وأسقط ألوف الجرحى، فإن مدعى عليهم بالجناية تأمنت لهم الحماية وأُعيد تنويب بعضهم لضمان حصانة لهم، ويا مرحى لزمن الإفلات من العقاب! ورغم المنهبة والإفقار والإذلال، ما من متهم وراء القضبان وما من محاسبة. والأخطر ما يحضرونه لتبرئة “أمين بيت المال” رياض سلامة، لمنع محاكمة ستكشف الكثير من جوانب إجرامهم. مبتكر تعاميم السطو على الودائع، مطارد من القضاء الدولي، بجرائم إختلاس مالٍ عام وتبيض الأموال، وإثراء غير مشروع ..والقضاء عندنا مهتم بتخريجة براءة لمن تصدرت صورته نشرة الإنتربول بين كبار المجرمين الدوليين، ليتابع نيابة عن حماته مافيا الحكم، تأديب اللبنانيين الذين خذلوا المتسلطين في صناديق الإقتراع، وقدموا الدليل على إمكانية كسر موالاة نظام المحاصصة ومعارضته!
يتلطى السحرة وراء عبارة”حماية المودعين”! وهدفهم حماية المضاربين بعدما فرضوا أخطر “هيركات” عبر ذراعهم المالية القذرة، فهدروا الحقوق وجعلوا التعافي مستحيلاً مع الإمعان في اللصوصية. وينبغي أن يكون مفهوماً أن التعافي مستحيل إذا هدرت الحقوق، والإقتصاد لن ينهض إن تم تذويب مدخرات الناس! وما حدن يخبرنا أن نواباً يغطون المنهبة وتشاركوا فيها، يبحثون اليوم عن رئيس للجمهورية ينتشل البلد من الحضيض! وما حدن يخبرنا أن الإدعاء الفارغ بأن إنتخاب رئيس جديد، ضمن الخلل الوطني بموازين القوى بوابة صالحة للخروج من الأزمة! إنه كذب صريح! لا حلّ لأزمات الشعب اللبناني الطامح لإستعادة دولته المخطوفة ودستوره إلاّ بقيام سلطة بديلة عن السلطة التي أجاد المقريزي توصيفها! يوم حمل التصويت العقابي كتلة من النواب يعكسون النسيج التشريني، برز أمل بأن الهواء الجديد سيفضح كل المساومات والتسويات على حساب الناس!
وبعد، جيد وفي مكانه إجماع التغيريين على رفض مرشح حزب الله سليمان فرنجية التابع لنظام بشار الأسد، لكن حذار من آخرين ممن كانت لهم الأدوار في السياسات التي مهدت لجعل البلد مسلخاً وأرضاً يباساً غير صالحة للعيش! في زمن تسلم جهاد أزعور وزارة المال أنشأ سلامة شركة “فوري” ما غيرها، فهل كان الأزعور من رعاة رياض؟ ليس صعباً الجواب، والمرشح السري الذي لم يعلن للناس موقفاً أو رؤية ولم يصارح بما يراه ويسعى له، يظن أنه “عوّض” هذا النقص بزيارات متتالية إلى الشام! و”عوضه” بالحج مبكراً إلى الضاحية مرة ومرتين! ولبعضهم السؤال كفى الهزء بتسمية التغيير، أنتم إخترتم إصطفافاً طائفياً وشركاء في تفاوضٍ “قايم وقاعد” مع “الهيلا هايلا هو” الرمز الأشد وقاحة بين الذين تمرد عليهم الشعب اللبناني في ثورة “17 تشرين”!
دعونا نتذكر أن المواطنين يوم إقترعوا عقابياً تجاوزوا حذر “المتنورين” وأحدثوا المفاجأة، وهم كلهم إصرار على الحساب الآتي مهما تأخر، وجريمة تفجير المرفأ وبيروت لن تسجل ضد مجهول، ورغم الحج الديني المبرمج إلى مليتا فلا شرعية إلاّ للسلاح الشرعي، وثورة الكرامة لاستعادة الدولة المخطوفة بالسلاح والفساد والطائفية ستشق طريقها ببلورة أدوات كفاحية مختلفة.. ووحدة اللبنانيين حول مصالحهم ووجعهم، ستبلور “الكتلة التاريخية” ليكون متاحاً الذهاب إلى إعادة تكوين السلطة.. ولن يفلت فاجر من دفع الثمن