أصدرت “مبادرة غربال” تقرير مجلس الخدمة المدنيّة عن المسح الشامل المتعلّق بأعداد الموظفين والمتعاقدين والأجراء والعاملين بأي صفة كانت، في الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح والصناديق المستقلة والمجالس والهيئات والمؤسسات التي تموّل جزئياً أو كلياً من الدولة حيث كشف أنه اعتباراً من العام 2019، وصل أفراد القطاع العام إلى 91,961 فرد يتوزعون بحسب نوع التعاقد بين: 37,197 موظف ومستخدم ثابت، 37,916 متعاقد، 3,452 أجير و13,396 عامل بصفات أخرى.
في حين لفت التوزيع بحسب التبعية الإدارية إلى استقطاب التعليم
الرسمي العدد الأكبر من الأفراد حيث وصل إلى60,712، يتجزّأ بين49,527 شخص من أفراد الهيئات التعليمية في الملاك والمتعاقدين والمستعان بهم في وزارة التربية والتعليم العالي، بالإضافة إلى 11,185 من الأساتذة والمستخدمين والمتعاقدين والمدربين و الأجراء الدائمين في الجامعة اللبنانية. أما باقي أفراد القطاع العام فينقسمون إلى15,527 في باقي إدارات الدولة الرسميّة والمديريّات العامّة التابعة للوزارات، 25,635 في المؤسسات العامة والمصالح المستقلة والصناديق والمجالس والهيئات والمؤسسات و1,272 في البلديات الخاضعة لصلاحيات مجلس الخدمة المدنية. هذا وبيّن المسح وجود 11,167 مستخدم ومتعاقد وأجير في ملاك المؤسسات العامة، موزّعين كالآتي: 3,004 مستخدم ومتعاقد وأجير في المؤسسات الخاضعة لصلاحيَّة مجلس الخدمة المدنية، و8,163 مستخدم في المؤسسات غير الخاضعة لصلاحيَّة مجلس الخدمة المدنية.
حسب التقرير، الأرقام هذه لا تشمل 11 إدارة عامة و32 مؤسسة عامة لم تقم بإيداع مجلس الخدمة المدنية أي مستند تنفيذاً للمسح الوظيفي ولم تلتزم بالقانون بما يتعلق بالمسح الوظيفي على الرغم من تكرار الاتصال بها، مثل الإدارات الدينيّة العاملة تحت وصاية رئاسة مجلس الوزراء، الادارات العسكرية والأمنية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف ومصرف الإسكان ولجنة بورصة بيروت والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
كما أظهر تقرير مجلس الخدمة المدنية أنّ عدد الوظائف الملحوظة في الملاك هو 28,082 وظيفة وأنّ عدد الوظائف المشغولة هو 8,175 وظيفة فقط. وبالتالي فإنّ نسبة الشغور في الإدارات العامة سجّلت 72 في المئة، فيما بلغت هذه النسبة في المؤسسات العامة 56 في المئة وفي البلديات 82 في المئة. ولفت تقرير المجلس إلى أن النسبة الأكبر من الشغور هي في وظائف الفئة الثانية، حيث بلغت النسبة 80 في المئة ، الأمر الذي يؤكد على أهمية استكمال الإجراءات الرامية إلى استصدار مراسيم الترفيع إلى الفئة الثانية، لا سيما تلك المقترنة بموافقة هيئة مجلس الخدمة المدنية. هذا وأوصى التقرير بإلغاء 7,072 وظيفة فقط لانعدام حاجة الإدارة إليها وذلك نظراً لنسبة الشغور وضرورة إعادة الهيكلة وترشيق الإدارة واعتماد هياكل تنظيمية مسطحة أكثر مرونة. كما لفت إلى أنَّ 2,509 عامل في القطاع العام الخاضع لمجلس الخدمة المدنية بلغ السن القانونية اعتباراً من 01/01/2022 أو سيبلغ السن القانونية لغاية 21/12/2026.
من جهة ثانية، أشار مجلس الخدمة المدنية إلى قيامه خلال إعداده الدراسة بوضع الإحصاءات المتوافرة لديه عن عدد الموارد البشرية في الإدارات العامة وفي المؤسسات العامة والبلديات المتوافرة لديه وتلك الواردة من الجهات المذكورة حيث لحظ وجود فرق هائل بين عدد المتعاقدين القانونيين وما أظهره المسح الوظيفي بلغ 27,188 موظف. ولعل أبرز الفروقات التي ظهرت هي في المديرية العامة للتعليم المهني والتقني حيث وصل الفرق إلى 14,000 والمديرية العامة للتربية حيث سجّل 12,827 وفي مجلس الجنوب 169 والمركز التربوي للبحوث 50. هذا وتوقف المجلس أيضاً عند الاختلاف في أعداد اليد العاملة حيث وصل الفرق إلى 1,630، موزّعة على الشكل التالي: 155 في مؤسسة كهرباء لبنان، 223 في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، 766 في مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، 279 في مؤسسة مياه لبنان الشمالي، 188 مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، 19 مؤسسة مياه البقاع.
واعتبر المجلس في تقريره أن عدداً من الإدارات والمؤسسات العامة لا تبلّغه بشكل منتظم المستجدات المتعلّقة بأوضاع العاملين لديها، كما أنّ عدداً من المتعاقدين لدى الإدارات والمؤسسات الخاضعة لرقابة المجلس قد جرى التعاقد معهم خلافاً للأصول القانونية، مكّرراً بعدم جواز عقد صفقات للاستعانة بيد عاملة إدارية وفنية بأية طريقة بما فيها مقدّمي خدمات إلّا للقيام بأعمال جسدية كأعمال الحفريات وخلافها وليس للقيام بمراكز ووظائف في الملاك، كون ذلك يخفي استخداماً مقنّعاً له طابع الاستمرار ولا يكون ظرفياً ولا آنياً ولا ينتهي بانتهاء المهمة الموكلة إلى شاغليها بما يخالف القانون بمنع التوظيف بكلّ أشكاله في القطاع العام.
يأتي هذا التقرير اليوم في ظل الإعتقاد السائد بأنّ القطاع العام يشهد تضخّماً كبيراً في عدد الموظفين والعاملين وصل إلى 320 ألف موظفاً في الأسلاك المدنية والعسكرية والتعليم، أي قرابة الـ 25 في المئة من مجمل اليد العاملة في لبنان؛ ليُظهر المسح الجديد – باستثناء المؤسسات والادارات العامة التي رفضت الاستجابة لطلب مجلس الخدمة بالتصريح عن عدد الموظفين لديها- بأن هناك أزمة شغور حادّة ونقص كبير في الأعداد المسجّلة في الملاك والوظائف الدائمة، الأمر الذي أدّى إلى شلل خدمات هذا القطاع. هذا ولا يُمكن إخفاء تأثير الأزمة الاقتصادية المؤذي على مؤسسات الدولة وما رافقه من تراجع في قيمة الليرة اللبنانية وتدهور في الحد الأدنى للأجور وعدم القدرة على تصحيح الرواتب. عوامل انعكست بشكل سلبي على الموظفين الذين لجأ الكثير منهم إلى بحث عن مصدر رزق آخر سواء في القطاع الخاص أو عبر الهجرة إلى الخارج.
تتفاوت الأرقام بين تقرير وآخر وتبقى النتيجة واحدة، قطاع عام مشلول، مُهمل ومُنعدم الفعالية والانتاجيّة وتسيطر عليه الزبائنية السياسية والمحسوبيات الخاصة… حيث بات من الضروري جدّاً العمل على إعادة هيكلته وتطويره وتنظيمه من حيث العدد وكلفة الأجور والرواتب لوقف مزراب الهدر والفساد في الدولة ولوضعه مجدّداً على سكة النهوض والتعافي.