بقلم: د. عمر الفاروق النخال | كلّما غادرتُ بيروت، تموت في نفسي حفنة من ضحكات فأهرع إلى خاطري أفتّش عن أي بلسم لاختناقي وتضخّم حلقي وكأنَّ كلّ كؤوس العلقم نزلت به فجأة، أجد نفسي وأنا فوق السوار الذهبي المرتمي على شطآن الليل أتفاوض أو أتشاجر مع دموع تأبى في لحظة الحقيقة أن تسيل فيهدر قلبي نبضات خارجة من زلزال أو كابوس.
حاولت لسنوات طوال إخفاء أسرار كثيرة عن طقوس وداعي لبيروت، منها العلني ومنها ما أحرص على حجبه بتنهيدة ثبات حتى لا أنفجر وحتى لا أستسلم لنوبة الفراق لحظة نزول حقيبتي إلى سيارة من سيقلّني إلى البُعد وندائي للنزول.
يمر اليوم الأخير دوما بسرعة تنافس البرق، كل شيء يسرع إلا كابوس المطار، فهناك كلّما تلكأت عقارب الساعة تجيء الصور والذكريات وتروح كأنها تنتقم مني أو تسخر من لحظات حلوة كنتُ اعتقدتُ في نفسي دوامها.
من طقوس يوم الإذعان لهذا البُعد، أن لا آكل أيضا، أتعايش فقط مع بعض لقيمات تفقد طعمها فجأة فأُصبح كمن يلوك سردية موجعة مع كلّ رحيل .. تتمزّق أحشائي بنفس الوقع والأسلوب وأشعر أن طاقة تسرق من صدري أو من قلبي صور الحياة.
أنطفئُ بإرادتي كي لا أفضح تعاستي في الطريق إلى المطار، أركّب أحاديث مصطنعة عن السيارات وقوتها مثلا رغم عدم إلمامي أو إعجابي بهذا المجال أو أسأل عن معنى أو جدوى مبنى أو منشأة موجودة أمام عيني منذ وُلدت لإستعد فقط إلى خلوتي مع الحزن لحظة أرفع يدي ملوّحا وأدير ظهري للضوء داخلا إلى أنفاق الرحلة.
أنا ما كارهي المطارات أصلا، ولهذا أعمد مع كل رحيل عن بيروت إلى إثقال خطاي عمدًا لاُنازل الوقت المتثاقل هو الآخر الذي أشعر به يسير مختالا بحوافره على روحي وحواسي في ساعة الرحيل.
أعطيهم الحقيبة وأمشي غير مكترث بالمكتوب على تذكرة السفر أو على اللوحات الإلكترونية الدالة على البوابات والمواعيد وكأن مرشدا سيُجيب عن أسئلتي واستفساراتي في الأروقة والردهات.
في هذه اللحظة أشعر بثقل كلّ شيء، حتى بثقل حقيبة يدي الصغيرة متمنيا من يحملها عني ويتركني مع نفسي أصطنع إضاعة الوقت مرة بالمرور أمام كشوك الصحف والمجلات المعنية بالاقتصاد والرياضة ومحركات السيارات وشركات التأمين التي لم أقرأها يوما ومرة بدخول المقهى الذي يسمح لي بمزج زفرات الرحيل مع دخان سجائر ضجرت الانتظار فاحترقت وانتحرت.
بثقل أيضا أتخذ القرار بالتحرك نحو بوابة العبور إلى البعد، لا أسرع ولا أركض ولا أكلف جسدي بذل أي جهد لأن روحي المسلوبة هنا قد بدأت ترسم مسرح انفصامها مختارة أبعد مقعد عن البوابة غير مكترثة بالسباق إلى البُعد.
أدخل الطائرة آخر راكب تقريبا، راسما على وجهي مزاج الاشمئزاز لا كبرة على العباد بل رغبة مني بتجنب أي حديث مع أحد يفسد عليي حديثي مع نفسي ويفسد عليي طقوس وداع بيروت.
لم أتصور أن يأتي يوم وأبوح بوصفة الطقوس تلك، لكن صيف العام ٢٠٢٦ غدر بدموعي عندما دمّر سدّها فسالت مستسلمة بوضوح أمام أمّ كانت تراجع حقيبة طفلها ورجل مستاء من تصفح شاب بقربه لبعض المقاطع في هاتفه على صوت مرتفع ومراهق يهاجم غريمه في لعبة إلكترونية على هاتف محمول مليء بالكسور والخدوش!
سالت دموعي ربّما لتُحرك الحبر الراكد في أقلام الفؤاد فكتبتُ عن داء أعانيه منذ ثماني سنوات، داء اسمه “فراق بيروت”!