في مثل هذا اليوم، 16 شباط 1985، انسحبت إسرائيل من صيدا…
مرّ واحد وأربعون عامًا على انسحابها من مدينتي، مرّت السنوات وكأنها الأمس…
ما زلت أذكر تفاصيل كثيرة منذ لحظة الاجتياح عام 1982 حتى يوم الانسحاب. أذكر كيف شاهدت على التلفاز قرى تستقبل الدبابات بالرزّ والورود والزغاريد، وقرى أخرى تستقبلها بالقذائف والرشاشات.
ما زلت أذكر أول عملية مقاومة انطلقت من مدينة المقاومة، مدينتي صيدا. أذكر الحواجز التي كنّا نقف عندها لساعات طويلة. أذكر يوم كان العدو يجمع الشباب والرجال على شاطئ البحر أو في الساحة القريبة من منزل أهلي في الهلالية، ويأتي رجلٌ ملثّم لا يتكلم، بل يشير بإصبعه إلى أشخاص من بين الجموع، وكل من كان يشير إليه كان يُسحب للتحقيق والسجن والتعذيب. وكانوا يلقبون كل مقاوم <مخرب>
ما زلت أذكر مرور دوريات العدو بالمجنزرات، وهم يسلّطون الكشّافات الضوئية على المنازل. كنت أراقب من وراء الستار، فيصيب الضوء عيني، وكان والدي، رحمه الله، يصرخ بي: «أقفل الستار وابتعد».
ما زلت أذكر آلياتهم التي كانت تجوب الشوارع بمكبّرات الصوت: «إلى كل المواطنين، من لديه سلاح حربي أو سلاح صيد، عليه التوجّه إلى أقرب مركز للجيش الإسرائيلي لتسليمه أو الحصول على رخصة».
ما زلت أذكر كيف كانت المجنزرات تمرّ بسرعة جنونية في شوارع حيّنا الضيّقة في الهلالية، وكم مرّة خفنا من صوتها وسرعتها وكدنا نتعرّض للدهس. وكان الجنود، أحيانًا، يرمون لنا الحلوى ليظهروا وكأنهم لطفاء…
ما زلت أذكر أهلي، وأمي خصوصًا، حين كانت تأتي لتأخذنا من مدرسة الفرير في الرميلة، وتعبر يوميًا حاجز جسر الأولي، تقف لساعات طويلة قد تصل أحيانًا إلى سبع ساعات، فقط لتصل إلينا. كانت إدارة المدرسة تعطينا الماء والسندويشات خلال الانتظار الطويل. كنت أرى أمي تصل منهكة ومتعبة، لكنها تبتسم لنا، تحتضننا وتقبّلنا… في كل مرة كنا نشعر أننا التقينا أمنا من جديد بعد غياب طويل. كان شعورًا ممزوجًا بالحنان والخوف، وكأن الله كتب لها عمرًا جديدًا بعد عبورها حاجز جسر الأولي… أقذر وأذلّ حاجز عرفه الإنسان آنذاك.
ما زلت أذكر يوم كنت ألعب مع إخوتي وأصدقائي قرب منزلنا، حين صرخت أمي من الشرفة باكية: «اصعدوا إلى البيت بسرعة… قصفوا بناية خالك». لم نكن نعلم إن كان خالي وعائلته بخير. كانت أيامًا مريرة. علمنا لاحقًا أن خالي أُصيب إصابات بالغة، وزوجته وابنته أُصيبتا بحروق من الدرجة الأولى. احترقت البناية ودُمّرت على من فيها. تعافوا من جراحهم الجسدية، لكنهم لم يتجاوزوا ما حدث نفسيًا حتى وفاتهم بعد نحو خمسة وعشرين عامًا. كيف يمكنهم تجاوز ما حصل؟ كيف يمكنهم تجاوز خسارة خمسة من أبنائهم في ذلك اليوم المشؤوم؟ نعم، استُشهد في تلك الغارة خمسة من أولاد خالي… رحمهم الله جميعًا، ورحم شهداء بناية جاد في القناية، وكل شهداء الاجتياح.
و مازلت اذكر… يوم كان ينادي العدو خلال انسحابه… ان جيش الدفاع الاسرائيلي ينسحب الرجاء عدم التعرض له … إننا ننسحب بسلام
كنت في التاسعة من عمري آنذاك… مرّت أربعة وأربعون سنة من عمري، وما زلت أذكر هذه التفاصيل وكأنها الأمس. وهناك الكثير والكثير مما أذكره…
ثلاثة وخمسون عامًا مرّت منذ ولادتي، ولبنان ما زال يعيش الدمار والقتل…
لا تستحق يا شعب لبنان كل هذا الألم.