بعد خمسةٍ وعشرين عاماً على رحيل الإمام محمد مهدي شمس الدين، لا تبدو وصاياه مجرد صفحات في كتاب أو مواقف قيلت في زمن مضطرب ثم طواها النسيان، بل أقرب ما تكون إلى بوصلة فكرية وأخلاقية ما زالت قادرة على توجيه الشيعة، ولبنان معهم، وسط الانهيارات المتراكمة والتصدعات العميقة في مفهوم الدولة والهوية والسيادة.
لم يكن شمس الدين فقيهاً تقليدياً منغلقاً على النصوص، بل مفكراً سياسياً ـ دينياً قرأ المستقبل بقلق العارف، لا بطمأنينة الواعظ. في وصاياه، التي جمعها في كتابه بوصفها خلاصة تجربة طويلة في الفقه والفكر والعمل العام، وضع يده على الجرح باكراً: الطائفة التي لا تحتمي بالدولة، ستبحث دائماً عن حماية بديلة، وستدفع ثمن ذلك مضاعفاً.
من هنا جاءت وصيته المركزية: الدولة أولاً. دولة عادلة، قوية، جامعة، تكون الإطار الطبيعي لحماية الحقوق وتنظيم الاختلاف. لم يرَ الإمام في الدولة خياراً سياسياً ظرفياً، بل قدراً تاريخياً لا فكاك منه. وكان يحذّر بوضوح من وهم “البدائل”: السلاح، التنظيم المغلق، أو الاستقواء بالخارج، معتبراً أن كل هذه المسارات قد تمنح شعوراً مؤقتاً بالقوة، لكنها تنتهي إلى إضعاف الطائفة وعزلها عن محيطها الوطني.
وفي سياق متصل، شدّد شمس الدين على خطر تحويل المظلومية التاريخية إلى أيديولوجيا دائمة. أقرّ بالظلم الذي لحق بالشيعة عبر التاريخ، لكنه رفض الاستثمار السياسي فيه، لأن المظلومية إذا لم تُعالج بالعدالة والقانون تتحوّل إلى أداة تعبئة لا إلى مشروع إنصاف. العدالة، في نظره، تُبنى داخل الدولة، لا خارجها، وبالمؤسسات لا بالشعارات.
أما في مسألة المقاومة، فقد كان الإمام دقيقاً وحاسماً في آن. لم ينكر حق مقاومة الاحتلال، لكنه رفض أن تتحوّل المقاومة إلى حالة دائمة أو إلى مرجعية تعلو على مرجعية الدولة. في وصاياه، بدا واضحاً في التحذير من السلاح الخارج عن الشرعية، حتى لو رُفع تحت عناوين نبيلة، لأن هذا السلاح ـ كما كان يرى ـ يحمل في داخله بذور الانقسام ويضع الطائفة في مواجهة الداخل بدل أن يحميها من الخارج.
وفي كتابه، تتكرّس أيضاً دعوته إلى الانخراط الكامل في الشراكة الوطنية. رفض شمس الدين منطق “الطائفة القلعة” أو “الخصوصية المنغلقة”، ورأى أن الشيعة في لبنان ليسوا مشروع كيان مستقل ولا جماعة تبحث عن امتياز، بل شركاء كاملي الحقوق والواجبات في وطن تعددي. من هنا دفاعه الصلب عن العيش المشترك، وعن الحوار الإسلامي ـ المسيحي، الذي اعتبره شرطاً وجودياً لبقاء لبنان لا مجرد ترف فكري.
ومن أبرز وصاياه وأكثرها حساسية تحذيره الصريح من الارتهان للخارج، سياسياً أو عقائدياً. كان يرى أن أي جماعة تربط مصيرها بقوة خارج حدود وطنها تفقد تدريجياً قدرتها على القرار الحر، وتتحوّل إلى أداة في صراعات الآخرين. السيادة، في فكره، ليست شعاراً سياسياً، بل قيمة أخلاقية تمسّ كرامة الجماعة قبل كيان الدولة.
ولم يغفل الإمام البعد الداخلي للطائفة، فدعا إلى تجديد الخطاب الديني، وإلى فقهٍ منفتح يواكب العصر دون أن يفقد جوهره القيمي. حذّر من تسييس الدين وتحويله إلى أداة تعبئة أو انقسام، معتبراً أن الدين حين يُستخدم لتبرير الصراعات يفقد روحه، ويشوَّه في وعي الناس قبل أن يخسر تأثيره الأخلاقي.
اليوم، وبعد ربع قرن على غياب شمس الدين، تبدو وصاياه كأنها كُتبت للحظة الراهنة: انهيار الدولة، تضخم السلاح، تشظّي الهوية، وضياع البوصلة الوطنية. من يقرأ كتابه لا يقرأ سيرة رجلٍ مضى، بل مشروع تحذير وإنقاذ لم يُستكمل.

هي وصايا لا تخصّ الشيعة وحدهم، بل كل من يرى في الدولة ملاذاً، وفي الشراكة خلاصاً، وفي العقل بديلاً عن الغريزة. وربما هنا تكمن قوة الإمام محمد مهدي شمس الدين الحقيقية: أنه لم يكتب لزمنه فقط، بل للمستقبل… فبقيت وصاياه بوصلة، ولو بعد خمسةٍ وعشرين عاماً