1. Home
  2. ولكن
  3. بين التدفق الإخباري ورغبة التخصص السياسي: كيف نحمي الملف؟
بين التدفق الإخباري ورغبة التخصص السياسي: كيف نحمي الملف؟

بين التدفق الإخباري ورغبة التخصص السياسي: كيف نحمي الملف؟

0
0

بقلم الدكتور عمر الفاروق النخّال | لم يعد تدفق الأخبار في زمننا يشبه أي شكل سابق من أشكال المتابعة الإعلامية.
لم نعد أمام حدث يقع، ثم يُروى، ثم يُحلَّل، ثم يُستوعب في مساره الطبيعي، فنحن اليوم أمام فيض لحظي مستمر يعيد تعريف الحدث وهو ما يزال يحدث، ويمنح كل تفصيل صفة العاجل، ويستدرج كل عاجل إلى معنى أكبر منه، ولو قسرًا.
هذه الحالة خلقت إشكالية معرفية جدية لكل من يحاول التخصص في ملف سياسي محدد لأن فكرة “الملف” نفسها تعرّضت للتفكيك: أين يبدأ الملف وأين ينتهي، ومن يقرر حدوده، ومن يملك حق عزله مؤقتًا عن الملفات الأخرى؟
في السابق كان الباحث السياسي يختار ساحة محددة، أو مسارًا تفاوضيًا معينًا، أو توازن قوى إقليميًا ما، ويبني عليه بنية معرفية متراكمة، واليوم اصبح التخصص في مواجهة تهديد وجودي مصدره ليس فقط ضيق الوقت أو اتساع الوقائع، بل طبيعة البث الإخباري اللحظي الذي يذيب الحدود بين المسارات، ويفرض سردية جديدة مشتركة بين أحداث لا تنتمي بالضرورة إلى السياق نفسه.

التدفق الإخباري اللحظي لا يكتفي بإعلامنا بما يجري، بل يفرض علينا طريقة تلقّي ما يجري.

فكل خبر عاجل يُدفع إلينا ليس كما هو، بل كما يتم تأطيره في لحظة الدفع.

خبر ميداني محدود في رقعة جغرافية صغيرة يمكن أن يُرفع فورًا إلى مستوى التحول الاستراتيجي، وتُنسج حوله روايات تتصل بالأمن الدولي أو بتوازنات الطاقة أو بمستقبل الاستقرار الإقليمي.

لا يعود الخبر هنا مجرد واقعة، بل يصبح بذاته نواة سردية وهذه السردية تُعاد صياغتها وتوسيعها في الزمن الحقيقي، بحيث لا نكاد نلحق بها حتى تكون قد أصبحت “قضية” تتقاطع مع قضايا أخرى.

وهنا يبدأ المشكل بالنسبة للباحث الجاد: إنك لا تتابع فقط الحدث، بل تتابع تحوُّل الحدث إلى قصة كبرى، ثم تحوُّل تلك القصة الكبرى إلى جزء من قصة أكبر منها، وكل ذلك قبل أن تتمكن من تثبيت عناصر القصة الأصلية نفسها.

هذا التداخل لا يحدث بطريقة بريئة أو محايدة، بل يحدث على مستوى اللغة، على مستوى المفردات المستخدمة، وعلى مستوى ترتيب الأولويات.

التغطية العاجلة، بطبيعتها، لا تحتمل درجات عالية من التفصيل المنهجي، فتقوم بتجميع ملفات متباعدة في قالب استعجالي واحد.

صراع حدودي محلي يوضع إلى جانب ملف تسليح دولي، ويوضع إلى جانب تحرك دبلوماسي كلاسيكي، في جملة واحدة. هذا الدمج الفوري يخلق إيحاء بأن كل العناصر مترابطة حتمًا، وأن فهم الواحد يمر حتمًا بفهم الآخر والنتيجة المباشرة: يصبح من شبه المستحيل الحفاظ على نقاء مجال التخصص، لأن الخطاب العام نفسه يرفض فكرة النقاء، ويعاملها كنوع من التبسيط أو حتى من “العمى المتعمد”.

من هنا يمكن فهم كيف أن الرغبة التقليدية في “التخصص في ملف محدد” لم تعد سهلة التحقيق كما كانت إذ أن التخصص الجاد في السياسة ليس مجرد قراءة أوسع في موضوع واحد، بل هو أيضًا قرار أخلاقي معرفي يقوم على ضبط النفس: أُقصي ما ليس له أثر مباشر الآن، وأُبقي على الخط الفاعل.

لكن هذا القرار أصبح يصطدم بمنظومة إعلامية ترفض الإقصاء من حيث المبدأ فالمنظومة تريدنا أن نرى كل حدث كجزء من لوحة شاملة، وأن نشعر بالذنب إن اخترتنا العزل المؤقت.

كأنّ التركيز نفسه صار يُستقبل باعتباره تجاهلًا أو انحيازًا أو قصورًا في الرؤية. هذا الضغط النفسي ليس تفصيلاً هامشيًا، بل هو عنصر من عناصر إنهاك الباحث. لأن الباحث لم يعد يُسأل فقط: ماذا تعرف؟ بل يُسأل أيضًا: ماذا أغفلت أن تذكر، ولماذا أغفلته، وهل كان هذا الإغفال بريئًا؟

يضاف إلى هذا أن آلية تحويل كل خبر عاجل إلى سردية كبرى تُنتج طبقة إضافية من التعقيد تعدّ الأخطر على الإطلاق: التعقيد المتراكم غير القابل للرجوع خطوة إلى الخلف.

فحين تتشابك الملفات، لا تعود قادرًا على تفكيكها بسهولة. إذا بدأت من نقطة لاحقة في الزمن، ستدخل على مشهد يبدو من الخارج متماسكًا، لكنه في حقيقته مبني على تراكم فرضيات آنية، بعضها لم يُختبر أصلاً. عندها تصبح “القصة السائدة” واقعًا معرفيًا موازياً، حتى لو كانت هذه القصة قد وُلدت من انفعال لحظي لوسيلة إعلام أو حساب مؤثر أو تسريب غير مكتمل. وبهذا المعنى، التدفق الإخباري لم يعد فقط مشكلة سرعة، بل أصبح بيئة تُنتج طبقات فوق طبقات من الدلالات السياسية التي لا يمكن التحقق من أساسها الأول بسهولة، ومن ثم لا يمكن التخصص فيها بثقة كاملة.

هذا الواقع يخلق تحديًا منهجيًا قاسيًا: كيف تحافظ على ملكة الإمساك بالملف الذي اخترته، من دون أن تنجر إلى اتساع لا نهائي يأكلك ويذيب صرامتك؟

كيف تحافظ على قدرتك على القول “هذا داخل الملف، وهذا خارج الملف” وأنت محاط بمنظومة ترفض أصلًا الاعتراف بوجود “خارج الملف”؟

هنا تتقدم ضرورة إعادة تعريف وظيفة الباحث السياسي نفسه في زمن البث اللحظي.

فالباحث لم يعد ذاك الذي يجمع أكبر قدر من المعلومات وهذه مرحلة ساذجة انتهت. الباحث اليوم هو من يجرؤ على ممارسة الفرز. الامتياز المعرفي لم يعد في وفرة المادة، بل في شجاعة الاستبعاد المدروس.

لكن الوصول إلى هذه الشجاعة ليس تلقائيًا فهو يتطلب أن نشتغل على مستويين متوازيين يبدوان متناقضين لكنهما في الحقيقة شرط بقاء.

المستوى الأول: عمق التقييم أي التعامل مع كل موجة عاجلة بنفس نقدي، بنفس هادئ يسمح بوضعها في حجمها الفعلي. هذا يعني عدم سقوطنا في فخ مساواة كل تطور جزئي بحد ذاته مع تحوّل استراتيجي شامل. وأغلب ما يوصف بأنه “منعطف تاريخي” في لحظته الأولى يتبيّن لاحقًا أنه مجرد تفصيل تكتيكي وجزء أساسي من الاحتراف هو أن نمنح كل حدث حجمه الحقيقي، لا حجمه الدعائي. عندما نُبقي كل حدث في حجمه، نحمي تخصصنا من التضخم العاطفي.

المستوى الثاني: توسيع المصادر بدل توسيع الملفات فهناك فرق كبير بينهما وتوسيع الملفات يعني أن الملف الذي اخترته يذوب داخل ملفات أخرى حتى تفقد هويتك كباحث.

أما توسيع المصادر فهو أداة لضبط ذلك الذوبان فحين أعتمد على مصدر واحد سريع ومتحمس وأعتبره مرجعيتي الوحيدة، فأنا أتبنى أيضًا إيقاع توتره، وزواياه المسبقة، وعناوينه المتسرعة التي تخلط بين ما هو بنيوي وما هو طارئ. في المقابل، حين أتنقل بين مصادر متباينة في اللغة، وفي الخلفية السياسية، وفي موقعها من الحدث (رسمي/ميداني/بحثي/دبلوماسي/اقتصادي)، فإنني لا أوسع الملف، بل أزيد ثباته الداخلي فأقوم عمليا بما يشبه “المعيارية المستمرة” وتعدد المصادر هنا ليس ترفًا ولا تكديسًا للروابط، بل هو آلية دفاع ضد ذوبان حدود الملف بفعل السرديات التي تُفرض قسرًا عبر اللحظي والعاجل.

البعض يعتقد أن الانفتاح على أكثر من مصدر سيؤدي بالضرورة إلى التشويش وإلى إرباك مسار التخصص. الواقع المعرفي الفعلي يقول العكس. التخصص ينهار حين يعتمد على رواية واحدة عالية الصوت تجرّه خارج مساره. أما حين تضع أكثر من رواية جنبًا إلى جنب، وتراقب أين تتطابق وأين تتصادم، فأنت بذلك تعود وتمسك بزمام تعريف ملفك بنفسك، بدل أن تدع منصة البث السريع تعرّفه عنك.

يبقى عنصر أخير دقيق لكنه حاسم: ضبط الذات المهنية في مواجهة غواية الاستعراض ففي بيئة التدفق اللحظي، هناك دائمًا إغراء أن تظهر كأنك “على كل الجبهات”، حاضر في كل التفاصيل، ملم بكل الاشتباكات، جاهز للتعليق على أي تطور في أي لحظة وهذه الصورة جذابة إعلاميًا، لكنها مدمرة علميًا لأنها تدربك على نمط استجابة سريع، انفعالي، متشعب، يضعف تدريجيًا عضلة الصبر التحليلي التي تحتاجها لتبني حقلًا سياسيًا محددًا بعناصره الواضحة ومساره الزمني المفهوم.

إن أخطر ما يصيب الباحث اليوم ليس نقص المعلومات، بل ضياع الهدف وحين يضيع الهدف، تسقط الهيبة المعرفية للمتخصص، ويتحول إلى مجرد معلّق لحظي آخر، يمكن استبداله فورًا بغيره.

التدفق الإخباري اللحظي غيّر إذا قواعد اللعبة، لم يعد يشكل فقط عبئًا كميًا من حيث عدد الأخبار وسرعتها، بل أصبح قوة إعادة تشكيل للسرديات نفسها، طريقة إعادة كتابة الواقع السياسي وهو ما يزال يتكون، وبما يذيب الحدود بين الملفات.

هذا الواقع يهدد منطقيًا إمكانية التخصص كما عرفناها أكاديميًا ومهنيًا، ويجعل الإمساك بملف محدد مهمة أكثر صعوبة مما تبدو عليه من الخارج لكن هذا التهديد ليس قدرًا محتومًا إذ يمكن مواجهته عبر مسارين متكاملين: أولًا، الحفاظ على عمق التقييم كي لا ننجر إلى تضخيم كل تفصيل طارئ، ووضع كل تطور في حجمه المهني الصحيح بعيدًا عن الخلط غير المنطقي. وثانيًا، تنويع المصادر لا بهدف التشويش بل بهدف تثبيت الإطار الذي اخترناه للملف، ومنع تدفق السرديات الفورية من سحبه إلى مساحات لا يريدها.

عند هذه النقطة فقط يصبح التخصص اليوم ممكنًا ليس كترف نظري، بل كفعل مقاومة معرفية منظمة ضد الفوضى التي يفرضها التدفق الإخباري.


tags: