صحيح أن زيلنسكي أعطى من قلب البيت الأبيض درساً في الشجاعة لكل قادة العالم، وأن النتائج على أوكرانيا قد تكون بالغة السلبية، فإن ما حصل في البيت الأبيض، وشاهده مباشرة، من خلال أثير التلفزة مئات الملايين حول العالم، إلى جملة مواقف للرئيس الأميركي ترمب سواء عالمية أوداخلية تلاحقت بسرعة، فإن هناك منحى إمبراطوري أميركي لتدمير النظام العالمي القديم وبناء بديل له لتقاسم جديد يشمل النفوذ والمصالح في العالم تحت قيادة أميركا!
إنه “مشروع 2025 تفويض القيادة: وعد المحافظين”. مشروع وضعته مؤسسة “هيريتج فاوندايشن” الذي يريد جعل ولاية ترمب محطة إحداث تغييرات كبرى في المفاهيم والسياسات، فيطال أوروبا القديمة بقوة ويولي أفريقيا إهتماماً بارزاً لطرد الوجود الصيني ويركز على الشرق الأوسط فيدعو أميركا إلى عدم التخلي عن نفوذها في المنطقة، ويقترح إستراتيجية متعددة الأبعاد، بينها “ميثاق أمني” رباعي جديد يضم مصر وإسرائيل والخليج والهند، ويؤكد على منع إيران من إمتلاك سلاح نووي ويدعم إسرائيل لمواجهتها.
وبعد، يبقى في صدارة إهتمامات اللبنانيين والسلطة الجديدة التي قامت رغم أنف القوى السياسية الطائفية المافياوية، هم إطلاق أكبر ورشة مزدوجة: من ناحية إزالة آثار الحرب التدميرية للعدو على لبنان وممارسة كل الحملات السياسية والديبلوماسية لإخراج العدو من أرضنا وبدء ورشة إعادة الإعمار. ومن ناحية ثانية ورشة الإصلاحات السياسية والإقتصادية لوضع البلد على سكة التعافي والأمر لا يقبل لا البطء ولا التردد. وفي قلب الورشة المزدوجة على نواف سلام قبل غيره عبء تدشين تعيينات توجه رسالة حاسمة للبنانيين بأن لبنان سيخرج من زمن المحاصصة الطائفية إلى رحاب معيار الكفاءة الذي من شأنه إجتذاب الكفاءات والنخب التي أُبعدت لعقود عن دور ينتظرها لقيادة المؤسسات العامة.
بالسياق إن تسمية حاكم للبنك المركزي كألوية، تفترض شخصية قانونية كبيرة، تحسن إجتراح السبل لإستعادة الأموال المسروقة. لأن ما تعرض له لبنان هو أكبر عملية لصوصية في التاريخ البشري، وليس مجرد أزمة نظامية، تسلم لشخصية على صلة بما يسمى هندسات مالية، أم علاقة معرفية في مجال إقراض الدول، على ما يُشاع من مواصفات لأسماء تتردد لحمل أخطر المسؤوليات في الدولة!
وفي إطار إطلاق ورشة إزالة آثار العدوان، تحريراً وإعمارأ وبسطاً للسيادة على كل شبر من بلادنا بواسطة القوى الشرعية دون سواها، كانت الالجولة ميدانية في الجنوب والمواقف لرئيس الحكومة قابلها مواقف حازمة أيضاً لرئيس الجمهورية جوزاف عون.
من بلدة الخيام المدمرة، وبعد جولة شملت صور ومرجعيون والنبطية، ولقاءات مع الأهالي، قال سلام إن إطلاعه على التقارير والدراسات حول الأضرار والخسائر الناجمة عن الحرب شيء والرؤية بأم العين حجم الدمار ومشهد القرى والطرقات والبيوت المدمرة والأراضي الزراعية المحروقة شيء آخر تماماً. ويعلن سلام أن الجيش هو المولج بالدفاع عن لبنان لحماية الشعب والأرض وصون السيادة وترسيخ الإستقرار، ويتعهد زيادة عديده وتجهيزه وتدريبه. ووجه التحية لقوات اليونيفيل للعمل الكبير الذي تقوم به. وقال سلام: لن أنسى كل الأبرياء الذين إستشهدوا تاركين وراءهم أيتام وأرامل ومفجوعين، ويطلق تعهداً بالإسراع بالعمل من أجل إعادة الإعمار والعودة الكريمة للأهالي.
أما المشاهد المقيتة للعنتريات المنظمة أما الشاشات بوجه رئيس الحكومة، الذي منذ السبعينات، يعرف كل شبر من أرض الجنوب، ويعرف كل الإحتياجات، وذهب يعاين ما ترتب على الحرب المدمرة من خسائر، فكان الأجدى بتلك القلة التي إستفزت الناس، وليس سلام، أن تحاسب قيادتها، حزب الله اساساً وكل الثنائي المذهبي، لأن ما من أحد سينجو من الحساب. أما المواطن الذي قال لنواف سلام لولا المقاومة لم تكن أنت هنا فهو على حق ونص. نعم لولا التعالي والتعامي والإرتهان وخيارات تحدي أغلبية اللبنانيين وأخذ لبنان قسراً إلى حرب أهرقت الدماء الذكية ودمرت جنوبه ومناطق عديدة، فإن رئيس الحكومة لولا هذه “المقاومة” و”مآثرها”، ما كانت لتكون أول زيارة له بعد أقل من 36 ساعة على نيل الثقة إلى الجنوب لتفقد حجم الكارثة!
لكن ما قاله المواطن الجنوبي لتحميل سلام وزرَ وضع لم يتسبب به، فكان رد رئيس الحكومة بأنه مسؤول عن النهوض بأعبائه، بدا كأن له تتمة في ممارسات حزب الله، الممتنع كما يبدو عن الإستفادة من دروس الكارثة، تمثل ذلك بإنكشاف مخطط نقل أموال إيرانية لزوم ترميم قدرات الحزب لا الإعمار، بينها مصادرة مليونين ونصف المليون دولار من أحد القادمين عبر تركيا. وتقول جهات مطلعة أن خطة الحزب الآن إدخال الأموال بهذه الطريقة(..) وهذا المنحى يتكامل مع تمسك الحزب لتاريخه بسلاحه شمال الليطاني، وهنا مطلوب التوقف بسرعة وبمسؤولية عند تهديد العدو بأن مضي الحزب في عمليات تسلح ونقل سلاح في منطقة الهرمل سيؤدي لقيام جيش العدو بضرب بنك أهداف لن يستثني منه الضاحية الجنوبية!
وسط كل هذه التطورات كانت لافتة المواقف الحازمة التي أطلقها رئيس الجمهورية من أنه “لم يعد مسموحاً لغير الدولة القيام بواجبها الوطني في حماية الأرض والشعب، وليس مسموحاً لأحدٍ آخر بلعب هذا الدور”. ورأى أن “مفهوم السيادة هو حصر قراري الحرب والسلم بيد الدولة وإحتكار السلاح بيدها”. وأضاف أن لبنان ملتزم تنفيذ القرار الدولي 1701 بكل مندرجاته على كامل الأراضي اللبنانية.