تتصاعد الضغوط الأميركية الأطلسية على إسرائيل مرفقة بإغراءات عسكرية مالية لثني تل أبيب عن الرد على إيران داخل الأراضي الإيرانية، لأن الرد قد يستدرج رداً فتنزلق المنطقة إلى حرب واسعة. وتستند الضغوط إلى فشل الرد الرد الإيراني عسكرياً، وحرص طهران من خلفه حفظ ماء وجهها ليس إلاّ. وليس قليل الأهمية أن تكون طهران نسقت الموقف مسبقاً مع واشنطن لتلافي سقوط قتلى في إسرائيل لأنه كان يمكن ان تفلت الأمور بسرعة!
هنا جلي أنه مع التعنت الإسرائيلي بوجه إدارة بايدن تمارس تل أبيب شانتاج سياسي بهدف الحصول على ضوءٍ أخضر أميركي يغطي من جهة المضي في معركة رفح، ومن الأخرى توسيع نطاق العدوان على لبنان، في إستغلال كبير لإصرار حزب الله على ما يسميه “مشاغلة” العدو مديراً الظهر لما أدت إليه لبنانياً هذه “المشاغلة” من كوارث على الجنوب والبلد وكل لبنان.
معروف أن توافقاً أميركياً إسرائيلياً قائم محوره شطب حماس بإبعادها عن قطاع غزة وتقويض قدرات جناحها العسكري. يتطلب ذلك من وجهة تل أبيب تغطية أميركية كاملة للمضي في معركة رفح، ولو بمراعاة بعض الشروط الأميركية، التي تطلب تكثيف العمليات العسكرية الجراحية لتلافي قتل أعداد كبيرة من المدنيين، ولا نعرف العدد النهائي للقتلى من الأطفال والنساء والشيوخ الذي لا يزعج الإدارة الأميركية!
ولئن كان الإصرار من حزب الله على المضي بربط وضع الجنوب بغزة، يمنح العدو الذرائع، ومعه تغاضي الواجهات السياسية اللبنانية الرسمية عن هذا التعنت، وتجاهل ما أسفر عنه من خسائر لبنانية صافية..، فإن ذلك أدى إلى تعثر مسعى واشنطن إحداث إختراقٍ ديبلوماسي، بفرض القبول بتطبيق القرار الدولي 1701 كاملاً بحيث ينعدم كل وجود عسكري جنوب الليطاني غير اليونيفيل والقوى العسكرية الشرعية. ومثل هذا الإختراق لو حدث لكان بالإمكان عودة الأعداد الكبيرة من المواطنين الذين تهجروا قسراً، ولكان بالإمكان وقف آلة التدمير الصهيوني التي تنفذ أخطر جريمة، بجعل منطقة واسعة متعذر إعادة عمرانها ومتعذر إستغلال أراضيها مع التلوث الكبير وزرعها بقنابل غير منفجرة!
سنطلق العدو من توافق إسرئيلي أميركي أطلسي يرفض بقاء ما قد يؤدي مستقبلاً ل”7 أوكتوبر” جديد من الجنوب. معنى ذلك أن المخاطر على لبنان آخذة بالإتساع، مع منحى صهيوني بتوسيع عنف العمليات شمالاً وتكثيفها لتطال العمق اللبناني. والعنوان إنهاء هذه اللعبة الدموية التي قررتها طهران ليدفع لبنان من دماء أبنائه وأرزاقهم ومن سيادته ووجوده ثمن مشروع طهران تكريس نفوذها! الخطر كبير ونوعي وقد يكون التوسع في إستهداف لبنان هو رد إسرائيلي معين على إيران يحاذر الذهاب إلى حربٍ شاملة!
في هذا التوقيت مفيد جداً قراءة أبعاد المواجهة الإسرائيلية الغربية للرد الإيراني على إسرائيل وإفشاله. لقد قال الغرب أن أمن إسرائيل فوق أي إعتبار، وحتى مع خلاف كل الغرب مع رئيس وزراء العدو وصدامه مع حكومته. ومفيد أيضاً قراءة الدرس من جوانبه الأخرى مع إكتفاء موسكو وبكين بالدعوة إلى “ضبط النفس”. لا تواجه إسرائيل ويحاصر التطرف إلاّ بحلٍ سياسي. إنه واقع يحتم على أطراف الطبقة السياسية، على بقايا السلطة التي تصرف الأعمال، وعلى مجلس النواب الكف عن تغطية إبقاء لبنان مجرد ميدان.
التحدي اليوم يتطلب هبة لبنانية، والمسؤولية المحورية على المتسلطين وكل من إنتخبوا للدفاع عن حقوق الناس والبلد. هبة تعتبر الجنوب قلب لبنان وقبلته، وليس جبهة أمامية في خدمة أحلام إيران الكبرى، التي ينفذها حزب الله بوصفه أحد أذرع فيلق القدس الإيراني. وهو فيلق لم يقاتل يوماً لا من أجل القدس ولا من أجل الأقصى ولا غزة ولا الضفة ولا لبنان!
تتسع الآن مؤشرات المواجهة جنوباً، ويوسع العدو نطاق العدوان وإستهدف مجدداً قيادات ميدانية من حزب الله، ويكثف منذ الأمس وصباح اليوم من نطاق قصفه الجوي وتدميره الممنهج للبلد. وبالتأكيد فإن حزب الله هو المسؤول عن تحميل لبنان واللبنانيين أثقال حرب لا طاقة لهم بها. وكل الطبقة السياسية التي سلمت له إختطافه الدولة وحجز قرارها بالحرب والسلم شريكة في المسؤولية، تماما كما هم جميعاً شركاء في جريمة تحلل الدولة. لا يعفي أي جهة قرعها طبول معركة دونكيشوتية عنوانها إنتخابات بلدية وهي ضرورة، لكن البعض يريد من ذلك تغطية التخازل، والمضي في الإستسلام بأن لا قيمة لصوت اللبنانيين ووقفتهم للدفاع عن الكيان والوجود والمصير وحيوات أبناء لبنان.