عاد إلياس خوري إذن من عالم شفاف ما بين الموت والحياة.. وكان جل الأنظار والترقب لحالته الصحية في الآونة الأخيرة مصحوبة بما حدث مع نديمه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي أنتج بعد غيابه المؤقت جدارية تعكس هذيانه الشعري والفكري الحاصل خلال وبعد خضوعه لعملية في القلب.. هو القلب المنبر الذي ينذر بهشاشته وإرهاقه الأدباء شعراء كانوا أم روائيين.. القلب
الذي كاد أن يخذل إلياس خوري ويغرقه في اللون الأبيض أعادنا – بعد مقالته المنشورة في صحيفة القدس العربي «نور الحب» ( ١٤ أغسطس ٢٠٢٣) – إلى مربعه الروائي، لا سيما الوجوه البيضاء وباب الشمس حيث تجسدت محاولات خوري المتعافي آنذاك برسم الموت كاريكاتيرياً تمهيداً لمعايشته يوماً ما.
باب الشمس.. مطلع الموت ومنتهاه
تبدأ باب الشمس (دار الآداب – ١٩٩٨) بـ «ماتت أم حسن».. فعل الموت المصاغ بالماضي والمطروح كمبتدأ لسردية طويلة تجسد مضموناً أيديولوجياً صافياً.. شكل صدمة ووهلة لمن يتابع سرديات خوري القصيرة نسبياً والتي ولدت قبل هذه الرواية.. وفعل الموت كمنطلق لموضوعة لم تنتهِ رغم النزيف القائم فلسطينياً والتعاطي السياسي مع تغريبة شعب كامل منذ أكثر من سبعين عاماً٬ لم يقدم على أنه طرح سياسي أو اعتناق عقيدة بل حمل في طياتها تجسيد الموت على شكل شخصيات بدءاً بالعجوز القابع في غيبوبته.. أي نصف موته وكان لهذا الغياب الجزئي ليونس الأسدي حفز خوري على خلق راوٍ ينقل الحكاية الكاملة لوطن مجبول بفرد مقاوم مبعد عن زوجته وبلدته تصدياً لفكرة الموت.. ونصرة لفكرة اليقظة.. ولم يكن الموت في هذه الرواية يمتلك لوناً.. كان شفافاً وكأن الكاتب يحاول اكتشافه من خلال أحداث تبدأ بالاحتلال ومن ثم التهجير وصولاً إلى اللقاء ومرويات الموت.
لم يفارق الموت الوحدات السردية سواء كتهديد أو كواقعة تختزل جموعاً وتبقي جموعاً أخرى.
يصبح الموت هاجساً متنقلاً مجبولاً بالأيديولوجيا حين يتنحى الكاتب بذاتيته عن القول بالموت.. ويعيدنا هذا إلى موت المؤلف تحديداً في باب الشمس ليغدو النص ناطقاً يحكي في باطنه اللغوي عن الظواهر والوقائع٬ يكررها في مطلعه ويرسخها في منتهاه.
الوجوه البيضاء.. السلام أم الفراغ؟
لا ريب أن خوري الذي اختار أن يكون سارداً فوتوغرافياً ينقل ثنائية الموت والحياة، إما على شكل الجنس في سينالكول وهو صراع كوميدي مستميت على البقاء أو بشكل دراماتيكي صاخب في زنزانة يالو.. أو حتى في زوبعة كأنها نائمة المشتتة بين المتخيل والحاضر والماضي..
لكن هذه النصوص المتلاحقة لم تكن إلا باجتماعها نداً موازياً لوثيقة «الوجوه البيضاء» الروائية التي نظم فيها خوري ضياع الهوية الجماعية وتشظيها إلى هويات.. وهذا ما فعله أمين معلوف في روايته «التائهون» إلا أن مؤلف أولا الغيتو٬ بقي على خط الوضوح٬ حيث معجم الرصاص والاختفاء المصحوب بالموت.. الوجوه البيضاء كانت صرخة خوري باسم عجوز لم يجد سوى البياض ليطرح سؤاله هل أهرب من الموت أم أزركشه..
ولعل اختيار الموت ومواجهته على أنه هزيمة نتقبلها ليس جديداً شعراً أو نقداً أو فكراً.. لكن أن يصبح مروية دائمة لا تخلو من التضمين وفتح مسار التأويل والتلقي هو ما يجعلنا نقف محتارين.. هل اختار الياس خوري التطبيع مع الموت أم الهروب عبره نحو الفراغ؟
قد تكون حكاية الياس خوري أبسط بكثير أو مختلفة تماماً كأن تكون نظيرة لانتصار محمود درويش على موت الفنون جميعها أو تلطي إيڤان كليما ونزار قباني خلف الكتابة لتفاديه.. لكن الثابت جنوح كاتب سينالكول نحو طرح الموت كقدر فني قد نستعد لتلقيه أو لا نستعد.