الموت في غزة لا يشبه الموت المرفه في مكان آخر، فلم يقام بيت عزاء واحد في غزة رغم استشهاد أكثر من ألفين وسبعمائة شهيد، منهم أكثر من 700 طفل نبتت له أجنحة الملائكة، لم يقم أحد في غزة بيت لعزاء أحبابهم فهي دوما استثناء حتى في موتها، لم يقم أحد بيت عزاء لأنهم لازالوا يركضون من القصف، ولأن لا وقت لديهم للحزن، لا وقت للبكاء، لا وقت ليحتضن الأحياء بعضهم، فكل منهم تغيرت معالم وجهه، ومعالم بيته، ومعالم مدينته…!!
أحاول التواصل مع الأصدقاء والصديقات والأهل فأعرف أن صديقة عزيزة لقلبي قد وهبت الحياة من الحياة، إلا أن عائلة أخيها الكبير وزوجته وبناتهم وأطفالهم قد استشهدوا في غمضة عين بعد أن نزحوا من مكان لمكان علهم يجدون الأمن والأمان لكن عبثا.!! لا أجد أي إنسانية فيما نعيشه الآن لا أستطيع مواساة صديقتي، ومن قبلها لا أستطيع أن أرثي أي أحباء وأقارب قد غادرونا، قتلوا بينما لا أستطيع حتى أن أرثيهم لأن آخرين منهم لازالوا تحت الردم، وآخرين لازالوا تحت قسوة الموت الذي فتح أنيابه وبات يمضغ لحمنا ببطء ودون توقف منذ ثمانية أيام متتالية بليلها ونهارها، يالله كم أنت قاس أيها الموت لما لست رحيما بنا كي نعد أنفاسنا، لقد حفرت قسوتك في أيدي أطفال غزة فباتوا يكتبون أسماءهم كاملة على أيديهم، ينقشونها بدل الحناء فإذا ما استشهدوا أملهم أن يتم التعرف عليهم..!! هؤلاء الأطفال كبروا ألف عام فأنت لم ترحم كبيرهم ولا صغيرهم…!!
لقد غدونا نسأل الأهل والأصحاب كل ساعة ذات السؤال هل أنتم على قد الحياة؟ أنتو عايشين فتأتي الإجابة في أوقات متباعدة لسة عايشين.! تقتلنا الإجابات أكثر، بل تقتلنا الأسئلة أيضا كيف يمكننا أن نفكر في دفن شهداءنا.!! أيها الموت كن رحيما بالأحياء والأموات فإن قلوبهم الراجفة لم تكف عن ذكر الله في السماوات الأعالي، حيث يحلق الأطفال الذين نبتت لهم أجنحة الملائكة…!
ــــــــــــــــــــــــــ
هداية شمعون