كثيرون، ومنهم أنا لاموا عميد النهار والصحافة الراحل الكبير غسان تويني يوم وقف مودّعا ابنه شهيد لبنان والحريات والصحافة جبران تويني مُطلقًا بخامة صوته المكلومة نداءه الشهير “لندفن مع جبران الأحقاد كلّها”، فلا مشاعر الانفعال والغضب التي كسرت سكينة كاتدرائة مار نقولا البيروتية تلائم العبارة ولا دموع الحزن والأسى في عيون مطران العاصمة المحروسة وتوابعها سيادة المتروبوليت الياس عودة الجزيل الاحترام أشّرت الى مثل هذا المحتوى ولا حتّى خشونة العظة التي تلاها مطران الجبل الأشم سيادة المتروبوليت جورج خضر الجزيل الاحترام أوحت بإمكانية حدوث مثل هكذا مفاجأة.
فاجأ الكبير غسان تويني في تلك الصبيحة اللبنانية الدامعة الجميع، غليان المتدفقين الى كنيسة مار نقولا الناجين من صيحات الغضب خارجها ومعهم المشاهدين المتسمّرين أمام شاشات التلفزة يتابعون أثقل جنازة على القلب والوجدان اللبنانيين في تاريخ لبنان التحرري والسيادي المُعاصر إلى جانب جمع المحللين والمراقبين وأهل الصحافة والإعلام الذين بقيوا لسنوات طويلة يحاولون فك الأسرار والألغاز التي هيّأت لتلك العبارة فبقيت أدقّ وأعمق إشكالية في التداول السياسي اللبناني وأكثرها طولا بمقياس السنوات والزمن!
فليس غسان تويني من يرضخ لضغط قاتل فيتراجع، وليس هو أصلا من هواة تمشيط شعر التسويات وإلباسها أجمل الحلل، وليس هو بكل تأكيد من يساوم على دم يسقط على أرصفة الحرية فكيف دم فلذة كبده أيقونة التحرر اللبناني والوجه الملازم لديك النهاد الصادح بالحرية؟!
قال الكبير غسان تويني ما قاله لكنه لم يمشِ إلى فراغ، في تلك اللحظة مشى إلى أرقى صومعة تبرير يخط في أفيائها ويشرح ويكتب عن الظرف الكامل الذي قاده لقول ما قاله أمام عشاق النهار ومحبي جبران وكل اللبنانيين المنضوين تحت مظلة الاستقلال الثاني، الذي كان رفيق قلمه الشهيد سمير قصير قد حضّر تصاميمه وملصقاته سابقا إياه إلى ذات المصير التراجيدي الظالم قبل أشهر قليلة!

تلك الصومعة العابقة بالخبرة والفكر والحبر، أنتجت كتابه “فلندفن الحقد والثأر – قدرٌ لبناني”، صفحات جاءت لتقول إن ما يُقال في لحظة فجع ممنوع معاينته بعين الانفعال مُفردًا لتلك القناعة غربة مكتملة الأركان أعاد فيها سرد نضالاته مقدّما شهادته هو على كل الشهادات حاله من حال كلّ أب يودُّ في سطور وصيته التي يكتبها في خفاء أن يُسمع قارئها صوته الداخلي .. وهكذا كان!
ففي بعض صفحات وسطور هذا الكتاب ظننتُ للحظة من اللحظات بأنني أستمع وأصغي لصوت الكبير غسان تويني أكثر مما أقرأ كلماته ولكن بخامة روائية سردية ليست بمسرورة ألى الحدّ الكافي وليست بمحزونة بما يلائم حزمة الأحزان الموجعة التي ألقاها القدر في وجهه!
قال الكبير غسان تويني ما قاله لأنّ التسليم بكِبر للأقدار إنتصارات حقيقية وكاملة، عيبُها الوحيد أنّها متطلّبة بالمعني الزمني تماما كالسنوات التي يحتاجها تعتيق العطر حتى يفوح بشكل صارخ ساعة يقرر العطار تحرير القوارير من العتمة القصرية!
ولكن مصير كل شيء أن يخرج إلى النور أخيرا، وهذه الصفحات للكبير غسّان تويني تفوّقت على نفسها في قدرة لقاء غربة كل السائلين عن عبارته-النداء حتى وهم في غربتهم الجديدة الحقيقة في البُعد.
فالكبار كغسان تويني يلاحقون حَمَلة الأسئلة أينما اختارت لهم الاقدار أن يكونوا فالتقاني افتراضيا في العاصمة الإماراتية أبو ظبي بصورته الوهّاجة التي تعتلي رفوف كتب واصدارات دار النهار الزاهر والعامر وبسمته في الصورة كانت تقول لي: “وصلت، حشريتك تجدها في هذا الكتاب”.
والأجمل من هكذا لحظة وهكذا لقاء عنى لي كثيرا، أن تجدد دار النهار مع صورة الكبير غسان تويني لم يوفر فرصة اللقاء مع الوجوه الراقية الممثلة له فحسب بل أيضا نسج الحوارات الفكرية ذات المعدن الخالص الصافي المشع ولاءً وانتماءً لفكرة لبنان.
تأبّط الكتاب لذّة، وتصفحّه لذّات لكن طعم المعرفة كان الأشهى على الإطلاق ومعه تشابه الرؤية والهواجس الى حدود كبيرة بين متذوّقي عبارة غسان تويني المثيرة لكل الحواس المعرفية والفكرية. ذهلتني فكرة التقاطع التي لمستها ما بيني وبين ممثل الدار في أبو ظبي الصديق المثقف والراقي جدا الدكتور فهد عكروش حامل أمانة ألق الدار ونورانيته في فضاء مُعتم مخيف وحماسة شاعر وأديب وصديق رائع في صور هو نبيل مملوك لصورة غلاف الكتاب قبل أن يصله حتى!
الفكرة التي تنجح في بناء منصّة ثلاثية تجمع البيروتي والبقاعي وابن الجنوب على الكثير من الالتقاء والقليل القليل من الاختلاف فكرة لا تموت، ولعلّ الكبير غسان تويني في كتابه هذا قد واسى قسوة تبرير عبارته بنظرية نفت الموت عن جبران وحرية الكلمة فناقشناها بهذا الحب وهذا الشغف.