يمشي بهدوء على
حافة اليقظة
ضباب كثيف كثيف
والوسادة بتجاعيدها الفوضويّة
تمشّط أفكاره
تهذّب ضفائر كلماته
وتطعم نطقه من بيدر الحاضر الممجوج.
….
له من الأمس حصّتان
حصّة أسد يأكله النعاس ويلتهم
بقايا الأهداف المتحلقّة
حولها العوائق كالذباب
وحصّة نملة يدهسها الأجداد
كي يعطوا لخطواتهم ألق الحكايا.
كان لا بدّ له مذ فتح عينيه
أن يبحث عن اليمامة في السقف
أن يقرأ أثر ريشها الذي يرتديه
الغبار
وأن ينحت لرمشه انطلاقة أرقى
نحو القاع.
….
يعيده الحاضر بلكمة على شكل ضجيج
إليه.
البرد ينخر خدّه.
كنيسة أضاعت قبلتها السمراء
يداعب الصبح شفتيه الجافتين من
سكرة الحبيبة ورسائلها الشفويّة
يمازح القلم يده
فيكتب اعوجاجه ويرسم على
صدر الورقة قرميدًا ويترك بقيّة البيت منسيًّا
في صندوق رماديّ.
لا، لن يقف!
هذه المرة صراع اللاجهات يطوّقه
وتعريف ال” ها هنا” وال “هناك”
يعانقه
كأنّه الأب المفجوع في جنازة الحقيقة
كأنّ الصلوات تخرج منه على أنّها
طريقة….
لا، لن يقف!
هذه المرّة ينتظر أن يكلّمه الله
علّ الغرب يتوقّف عن ابتلاع شموس
أمنياته
ويخيّط القدر بحكمة الأطبّاء
احشاء شرقٍ ينزفه كل صباح على
أنّه ضحيّة.
….
أخبره السائق جاره
صاحب السيارة الصفراء
أنّه سينتظره عند العاشرة
تحت شجرة الليمون
لكنّ مسامير الذاكرة تنبت في قدميه
ومعطفه الأسود
الذي جبل المائين
ماء الغيم وماء العين يربكان كتفيه
المسافة سطر كبير.
نعبرها كأطفال ينتفضون امام الأقصى
أو كمشرّدة تبيع جسدها بيورو واحد
أمام متحف اللوڤر
والمسافة أيضًا ركن صغير يتسع
لحبيبتين
ويخفق لامرأتين بعيدة وقريبة
طويلة وقصيرة
سمراء وبيضاء
ريفيّة وحضريّة
قلبه في اللاهناك يوجعه
كما تفعل القرنفلة بأغصانها.
….
ولأنّ الدقائق الأخيرة تسبقه
قرّر السائق الهروب من الانتظار
وبقي معطفه معلقًا على شمّاعة
الخوف
ورأسه الهش أكل تجاعيد الوسادة
واليمامة سقطت
برصاصة هجرتها
والسطر اختفى
وظلّ وحيداً في عتمة عينيه
يتلاشى كأنه الأمس
يتلاشى كأنه الغد
كأنه الأبدَ.