منذ أكثر من عام، بدأت تلوح في الأفق بشائر رفع الدعم عن المواد والسلع الحيوية حيث كان للغذاء والدواء والمحروقات الحصّة الأكبر. أشهر وأيّام من النكسات والضربات المؤلمة سُجّلت فيها مستويات صادمة من القهر والذل لم تعد تُطاق ولا تُحتمل، بعد أن انهالت على رؤوس اللبنانين الكثير من ويلات الأزمة ومصائبها المتتالية. فَمِن الغرق في بؤر الفقر والجوع والعوز وعدم القدرة على إيجاد رغيف خبز مروراً بانقطاع شبه شامل للمياه والكهرباء وارتفاع فاتورة المولد الكهربائي وزيادة أجرة سيارات النقل، وصولاً إلى رفع تعرفة الاتصالات والانترنت، عاد شبح رفع الدعم إلى الواجهة من جديد عبر التلويح الرسمي برفع الدعم الكلي عن مادة البنزين ليُصبح الحصول على مواد المحروقات في لبنان أمراً مستعصياً يُحرق جيوب وأعصاب المواطنين.
أزمة المحروقات تزداد استفحالاً وتعقيداً يوماً بعد يوم حيث يتمّ التلاعب بالأسعار تبعاً لجنون الدولار الذي يستأنف تحليقه الهستيري، تاركاً الحرية لجداول المحروقات بتسجيل أرقامٍ قياسيّة جديدة حيث تعدّت صفيحة البنزين الواحدة حاجز 600 ألف ليرة لبنانية في حين تقترب صفيحة المازوت من الوصول إلى عتبة 800 ألف ليرة لبنانية. أرقام من نسج الخيال تُشير إلى أنّ العد التنازلي لمرحلة رفع الدعم بصورة نهائية عن البنزين قد دخلت فعليّاً حيّز التطبيق، خاصة مع تخفيض المصرف المركزي نسبة الدعم على استيراد البنزين بحسب “صيرفة” من 40 إلى 20 بالمئة، في حين تقوم الشركات المستوردة في تأمين 80 في المئة المتبقيّة حسب سعر السوق السوداء. ومما لا شكّ في أنّ توجّه مصرف لبنان نحو تحرير منصة صيرفة من أعباء تمويل الاستيراد كان له انعكاساً واضحاً على أسعار المحروقات التي تشهد يوميّاً مساراً تصاعدياً ملحوظاً. كما أنّ استمراره في المضيّ قدماً في التقليل من نسب الدعم ما هو إلاّ تمهيد صريح لرفعه بشكل كامل ليسير البنزين على خطى المازوت في الوصول إلى نقطة الصفر دعم .
ومع اقتراب تنفيذ هذه العمليّة، تتّجه الأنظار بحذر نحو مصير سعر الصرف كون رفع الدعم يعني اللجوء التام إلى تأمين الاحتياجات من السوق السوداء وبالتالي تزايد الطلب على الدولار وعودة قفزاته الجنونية دون أي سقف أو رادع. تصاعد سعر صرف الدولار سوف يُشعل سوق المحروقات ويرفع مجدداً سعر صفيحة البنزين، ليشتدّ الخوف من عدم القدرة على لجم هذا الارتفاع الذي من شأنه أن يُصيب بالشلل جميع ما تبقّى من قطاعات ومؤسسات لا تزال على قيد الحياة. هذا فضلاً على ما يعكسه من عبء على كاهل اللبنانيين بمختلف فئاتهم سواء كانوا أرباب عمل أو عمالاً أو موظفين أو طلاب جامعات ومدارس إذ سوف يصبح الكثير منهم عاجزاً عن التنقل والوصول إلى مركز عمله أو دراسته؛ لا سيما مع استمرار غياب كافة الحلول لمعالجة الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردّي ليشكّل رفع الدعم في التوقيت الراهن الحلقة الأقسى من حلقات الانهيار التي يعيشها لبنان.
أيام قليلة وتُطوى صفحة الدعم عن البنزين بشكل نهائي لتُفتح بعدها صفحات جديدة من رفع الدعم كي يتسنّى اعتماد الدولرة الشاملة لسُبحة طويلة من الخدمات الأساسية … ولعلّ قطاع الاتصالات والانترنت هو الأوفر حظاً يليه قطاع الكهرباء مع استمرار تردّي جودة الخدمة والتهديد بأنّ عدم اعتماد رفع التعرفة سوف يؤدي إلى تقنين الاتصالات والتيار الكهربائي وربما التوقف الكلي عن تقديمهما، وذلك من أجل إحكام الخناق على المواطنين وإرضاخهم للأمر الواقع وإجبارهم على الدفع بالعملة الخضراء.
وفي ظل التغاضي الدائم عن كبح جماح الدولار وتفلّتاته، لن يتوقّف العدّاد عند سلعة واحدة أو خدمة معيّنة فقط، فحبّات السُبحة انفرطت والآتي قد يكون أعظم.