1. Home
  2. زوايا
  3. نسر في قن الدجاج
نسر في قن الدجاج

نسر في قن الدجاج

42
0

عزام حدبا
كان يا ما كان في قديم الزمان، في عالم يشبه عالمنا، حدثت هذه القصة التي رواها لي بطلها وطلب مني نقلها إليكم لعلكم تجدون فيها العبر. في يوم من أيام الشتاء القارس هبت عاصفة قوية أطاحت بعش نسر على قمة الجبل فتدحرجت منه بيضة على سفحه، كانت بيضة قوية وصلبة لم تكسرها العوائق فوصلت سليمة إلى قن الدجاج لتتلقفها “وحيدة” وهي دجاجة عاقر لم يسبق لها أن أنجبت وكانت زميلاتها من الدجاج يعيرنها بذلك، فسرت بها سرورا عظيما وحضنتها كما تحضن الفراخ بيضها.
بعد عشرين يوما فقست هذه البيضة وخرج منها طير صغير ونحيل لا يشبه الصيصان في شيء فسخرت منها صديقاتها خاصة جارتها “زليخة” التي تنمرت على الطفل الصغير قائلة:

  • صمت وصمت وفطرت على بصلة..
    لكن وحيدة لم تبال بل نظرت في عينيه المحاطتين بالزغب وابتسمت:
  • بالنسبة لي هو أجمل صوص في القن.. بل في العالم كله.
  • طبعا طبعا.. القرد في عين أمه غزال..
  • سأسميه هيثم..
    كبر هيثم وازدادت غرابة شكله، كان طويلا نحيلا وامتلك جناحين ضخمين وهو ما عده مجتمع الدجاج تشوها خطيرا، فنفر الكل منه وحذروا أولادهم من اللعب معه، حتى لاحظ هذه المعاملة فجاء أمه حزينا ذات يوم وسألها وهو ينظر في المرآة:
  • أماه هل أنا بشع لهذه الدرجة؟
  • لماذا تقول هذا؟ بل أنت أجمل فرخ في الحي..
  • لا أحد يلعب معي والكل يسخر مني..
  • لأنك مختلف يا بني.. ونحن معشر الدجاج لا نتقبل المختلف للأسف..
    ابتسم هيثم ونظر إلى جناحيه مرة أخرى فرآهما بنظرة مختلفة عما كان يراه أصحابه.. واقتنع بكلام أمه ولم يعد يشكك في نفسه.. إنعزل هيثم عن الدجاج في زاوية من زوايا القن لمدة شهر كامل مارس فيه التأمل بشؤون المزرعة من حوله.. وبعد نهاية الشهر خرج طيرا مختلفا بالشكل وبالمضمون وبدأ يبث أفكاره للناس:
  • نحن يا معشر الدجاج طيور.. لم يكتب علينا أن نعيش في الأقفاص.. بل علينا أن نطير ونحلق عاليا..
    وصل هذا الكلام الى زعيم القن الديك “نبهان” فضحك قائلا
  • يا مثبت العقل والدين.. هيثم هذا منفصل عن الواقع.. تجاهلوه..
    لكن هيثم لم يتوقف عن مواعظه ووقف في إحدى المرات على رأس أعلى عمود في القن وقال:
  • نحن يا معشر الدجاج نعيش عبيدا تحت سلطة الطاغية
    سمع الديك “نبهان” هذا الكلام فقفز من فراشه الوثير وشق طريقه بين الحشود قائلا:
  • هل أنت مجنون يا هيثم؟ تريد أن تقنع الشعب بالثورة ضد المزارع الذي أفنى حياته وهو يطعمنا بما تجود به مزرعته من القمح والشعير؟
  • وهل يطعمنا هذه الحبوب مجانا؟
  • طبعا.. قال نبهان وهو يتباهى بعرفه الأحمر الجميل.. لم يأخذ منا قرشا واحدا مقابل كل ما قدمه لنا..
  • ذلك لأننا نحن الثمن.. قال هيثم ورفع جناحيه عاليا.. كيف تفسر اختفاء البيض كل يوم بل اختفاء الدجاج أحيانا؟؟
  • إنه يأخذنا إلى مكان أفضل.. قال نبهان وهو ينظر في السماء ومن ثم ردد أتباعه كلامه خلفه..
    صمت هيثم لحظات قبل أن يجيب بهدوء
  • ولم لم يأخذك وأنت المفضل لديه؟
    أسقط في يد نبهان ولم يعرف بم يجيب.. ثم ما لبث أن أجاب متعلثما
  • لم يأت دوري بعد.. من أنا لأحاسبه أو أناقشه؟
  • غدا يذوب الثلج ويظهر المرج.. قال هيثم ثم انصرف..
    وهكذا انتهت المناظرة القصيرة بين هيثم ونبهان الذي لم يغمض له جفن في تلك الليلة فقد بدأ يتلمس مخاطر مواعظ نبهان على الشعب وخاف أن يفلت زمام الأمور من يديه فأمر أتباعه أن يذهبوا ليلا ويبتروا أجنحة هيثم فهي ولا شك تؤثر على دماغه ومنطقه ولن يشفى إلا بذلك. من فورهم انطلق الحراس لتنفيذ ما أوكل إليهم لكن عند وصولهم لم يجدوا هيثم في منزله ولما سألوا أمه عنه أشارت بفخر الى فوق فنظروا إلى السماء ليروه يحلق فيها عاليا فعادوا إلى نبهان بخفي حنين لكنهم لم يجدوه فقد طبخ منه المزارع في تلك الليلة وليمة دسمة لصديقه المغترب.. لقد جاء دوره أخيرا