أمّاه….
عندما تجفّ عروق العمر وينضب معين دماه
وعندما يشيخ جلد البقاء ويتجعّد أفق مداه
وعندما يشيب شعر الصّبا ويغزوعمق ضياه
وعندما ينوء القلب بنبضه فيكفّ نهره عن مجراه
أقصر هذا العمر أم طال؟
عندها تختصر صحائف هذا العمر البائدة لتذوب عصارتها في كأس الرّدى، وتتهاوى صريعة في لحظة وكأنّها لمح أبصار أو ساعة من نهار لتهمس بصوتها الخافت في الأذن…. لقد حان الوداع.
هنا يروغ البصر المغمّس بدمع الضياع ليهيم رذاذه على أجنحة حفن من ذكريات بات عمق مزيجها يختال في الوعي المتناثر ظلال محطات، باتت قطاراتها المهمّشة تدفن ضجيجها المتقطّع في المسمع على سكّتها المتناثرة شتات، لتهزّ هذا الهيكل الرّاقد رقدة المستكين عسى توقظه من همدة السبات، وتنفخ في الخاطر المهزوم ألسنة من آهات تلفظها حمماً داكنات، ترويها قصصاً وحكايات، ترسمها صوراً تائهات، تنشدها قصائد حنين إلى ماض أمين…. إلى أحبّة…. إلى أهل…. إلى عشرة…. إلى سنين…. إلى طفولة…. إلى شباب…. إلى رنين…. إلى صحبة…. إلى رفاق…. إلى كلّ ما كان من فرح وحتى ما كان من ألم وجرح ثخين.
إي أمّاه….
إنّي أراني أحدّق في مركبة حياتي وهي تمضي بعجلاتها المتعبة على شفير زوالها حيث حبالها المتينة أضحت واهية تجرّ أنفاسها اللاهثة لتغرقها في لجّة العدم، ونظرات سنواتها المقرّحة الأجفان حملت زادها الثقيل على ظهرها الحاني وتوكّأت على عصاها المتآكلة وشقّت طريقها نحو نهايتها، فشاحت بوجهها الهزيل تمحو سطوراً بمعانيها شاخت وبزادها ناءت، وتخبو حروفاً بوصلها عانت وبعجزها ماجت على صفحة الرحيل.
يقولون يا أمّاه….
أنّه عندما يحين القضاء يضيق الفضاء… وها هي يا أمّاه غيوم الموت تتلبّد كثيفة في فضائي الرّحب الشاحب فتجعله ضيّقاً لتحجب عنه ظلّ الوجود وها هي أمطاره السّوداء تهطل حاملة ذرّاته الهالكة على أديم الجسد الراحل، فقد آن له أن يودّع نفساً رافقته في رحلة الدنيا مسير وتمحو آثار آخر خطواتها لتعبر به نحو يقين المصير.
آه يا أمّاه…
ها قد هبّت رياح الوداع العاتية الهوجاء لتقتلع جذوري من تربة الحياة فتحلّ عقد شرائط أحلامي وتبعثر كمّ أوراق أيّامي وتمحو سجلّ حضوري من عالم الأحياء لتدفنه في أضلع عتمتها اللّيلاء.
وفي غمرة السّكرات تتضافر الزّفرات وتعلو في الصدر الحشرجات وترتفع اليد بأصابعها الهامدة عسى تلملم بقايا أمنيات أو لتتلتمس ما تخاله وهجاً من ثنايا ومضات إلا أنّها تهوي…. فالأجل المحتّم قد حان وهمّ قدومه بالاستئذان حينها تتلاشى في الرؤى شتّى ألوان النجاة ولا يبدو في شفق النظر الواهي سوى مدى لون واحد مترام هو لون الفراق ليطلّ برأسه الهالك ويحوّل بلونه عند دنوّ ساعته ما كان عمراً؛ ومضة برق من زمان أو ركناً هزيلاً من مكان أو خيطاً واهياً من زمان.
أمّاه… يا أمّاه
في حضرة النّزاع الأخير وعندما يرقد الجسد هذا الواهي رقدة البعاد، وحين يصمت القلم وتترنّح الكلمات وتتعطّر الأجواء بذكر خالقها، وتتشنّف الآذان باسم بارئها ويضحي النطق بالعين لا باللسان، وقبل أن تغمض الغمضة الأخيرة الأجفان وتدرك النّفس أنّها سوف تغادر عالماً فانٍ، دعي رأسي يسلم أمنه دفء راحتيك وامنحي عيني طرفة ترجو دفق ناظريك.
ولا تبك أمّاه…. لا تبك في عيدك بل اصبري
وأبقي عليّ دوماً رضاً يرافقني في ارتحالي لعالم خالد ثان.
تحية من موقع لبيروت