من الظلم اختصار رداءة المشهد الثقافي الايراني بواقعة معرض بيروت الدولي للكتاب المتمثلة بضرب وسحل ناشطين تجرأوا على رفض رفع صورة قاسم سليماني في أحد الاجنحة الايرانية وصرخوا بيروت حرة حرة، لأن الاشكالية أعمق من ذلك بكثير.
خيارات ايران رديئة حتى في اختيار توقيت شنّ هجماتها الثقافية المستفزة للشعور الوطني اللبناني والعربي الذي شكّل معرض الكتاب على مدى سنوات طويلة متنفسا حضاريا لاحيائه وانعاشه بالمُلتقيات والمُنتديات والحوارات التي قاربت زوايا ثقافية وحضارية وحتى سياسية قبل ولوج مطرقة الملالي لسحق هذه الأجواء متدخلة في محتويات المعرض ومضامينه ومانعة الفعاليات الفنية والموسيقية التي تشكل هي الأخرى عاملا مكمّلا لمنصّة ثقافية وحضارية شاملة مكتملة الأركان.
من المفيد في مكان مجيء الاغتصاب الثقافي الايراني للعاصمة اللبنانية بيروت -بعد الاغتصاب العسكري والسياسي طبعا-، في الوقت الذي غابت فيه أجنحة دور النشر العربية بالكامل عن المعرض لإخراج قناعة رديئة كذلك مفادها أن “عدّة الشغل” الايرانية في اي استفزاز هي عزلتها عن الكوكب الديناميكي والمتفاعل!!
وما لاءات السخط والرفض اللبنانية لهذا التصرف الايراني الا توضيحا صارخا لمفردات الحرب ما بين ثقافة الحياة وثقافة الموت والقتل المجاني المتمثلة بصورة جنرال عسكري ينتمي الى فلك الدم المسفوك والارهاب وتغميس حضارتنا المعاصرة برماد العواصم المدمّرة ودماء المجازر المفتوحة.
مختارة أعرق المنصات الحضارية للعاصمة بيروت تُجبِر طهران اللبنانيين على تصفّح كتب الموت والحروب فارضة هذه المضامين عقائد ثقافية تُلغي الرسم والنحت والفنون التشكيلية وكتب الأدب والشعر والنثر والأمسيات الثقافية والحضارية والفنية في رسالة صارمة تريد من خلالها تعميم حالة الاحتلال الثقافي بعد الاحتلال السياسي في مشهدية غوغائية غريبة عن كل المدارس الحضارية وحتى عن الذوق العام الذي كان أوّل المتصدين لهذه اللوثة الثقافية.
كان يمكن لطهران تجنّب حمل هذه اللوثة الثقافية الى معرض بيروت الدولي للكتاب، لكنها مع الاسف تصرّ في كل هجماتها على تصدير أسوأ وأردأ متحوّرات ديماغوجيتها السياسية والاجتماعية وحتى النفسية .. ومن حسن الحظ أن بيروت الحرة لم تكن جاهزة لذلك فتصدت بسلاح الكلمة والرأي لمفردات الموت والقتل والحروب العبثية !
أخطر ما في واقعة معرض الكتاب أن ايران أعلنت رسميا عن استخدام لوثتها الثقافية في بيروت، وأجمل ما حدث في المقابل أن بيروت عرّت هذه اللوثة بتوصيفها حربا أقذر بكثير من حروب القتل والتفخيخ والتفجير والقهر والإفقار والتجويع.
بسلاح الصوت والكلمة والرأي الحر دوما: بيروت حرة حرة .. إيران طلعي برا !