العالم على حافة الهاوية، والعلاقات بين روسيا وأوروبا والعالم الغربي بلغت نقطة اللاعودة! والروس والأوكران يتحولون إلى أعداء للأبد!
خراب ودمار وموت يعم أوكرانيا التي باتت مسرح المواجهة الشاملة بين روسيا والغرب. والأقسى الى الموت والنزوح وكل الخراب التداعيات الإقتصادية مع قرار الغرب إزالة بنوك روسية من نظام السويفت، وإعلان واشنطن ولندن وأوتاوا وباريس وبرلين وروما والمفوضية الأوروبية، أنهم سيمنعون المركزي الروسي من إستخدام إحتياطياته الدولية لتقويض العقوبات، وتأكيدهم أن ذلك سيضمن أن هذه الحرب هي فشل إستراتيجي لبوتين. بالمقابل يتواصل النقاش الغربي عن السؤال الأعمق: 47% من إحتياجات أوروبا من الغاز الروسي ولا بدائل، ومقاطعة الطاقة الروسية ستسبب دماراً إقتصاديا للغرب كما للروسيا التي يلفها الفقر والعوز، ويزداد القلق من أن تشن موسكو هجمات سيبرانية إنتقاماً. لقد فتح الغزو الإجرامي كل أبواب الجنون والدمار الذي سيضرب أوروبا أولاً وتطال شظاياه العالم!
أوروبا الموحدة أطلسياً، تجاوزت تمايزاتها واندفعت تحت قيادة أميركا لمعاقبة الجموح القيصري الروسي الذي تجاوز الخطوط ونفذ أكبر غزو إستعماري يستهدف تغيير المعالم والإتجاهات الدولية لما بعد الحرب الباردة! والأكيد أن الإجرءات العقابية الغربية ضد موسكو أدرجت الروسيا في قائمة البلدان التي تهدد السلام والأمن العالميين وستحولها إلى بلدٍ منبوذ..يقابلها غرب موحد كما لم يكن في أي يوم سابق حتى في زمن الحرب الباردة! وهذا الوضع سيترك بصمات على الداخل الروسي ويضع مصير بوتين وبطانته الأوليغارشية على المحك!
أوكرانيا وشعبها الذي يقاتل الغزو، باتت في الهاوية مع القتال العنيف الذي أصبح داخل كييف كما أكثر المدن، إثر القرار الروسي ببدء هجوم شامل منذ مساء أمس السبت، لأن أوكرانيا رفضت شروط الإستسلام الروسية! الرئيس الأوكراني شريك الماساة كبوتين وقيادته في كييف، ويدعو مواطنيه للقتال دفاعاً عن العاصمة، وقد دخلها الجيش الروسي، ويعلن أن الجيش لن يستسلم ونجح في إخراج الخطة الروسية عن مسارها. ولفت إعلان زيلنسكي إنشاء فيلق للمتطوعين الأجانب للدفاع عن أوكرانيا(..) ورحب بشدة بالمساعدات العسكرية الغربية لقواته بعد القرار النوعي الذي إتخذته ألمانيا، بإنهاء سياستها التاريخية بعدم إرسال الأسلحة إلى مناطق النزاع، لتقرر تزويد أوكرانيا بصواريخ “ستينغر” المضادة للطائرات والأسلحة المضادة للدروع، مع العلم أن وصول الأسلحة لم يعد ممكناً إلاّ عبر البر لأن كل المطارات تم تعطيلها.
على الأرض هناك رهان روسي بالسيطرة العسكرية السريعة، فتم زج قوات إضافية ليتجاوز ال100 ألف العديد داخل أوكرانيا. ومع إطباقٍ على العاصمة وبدء حرب شوارع داخلها لا أحد يعلم كم ستستمر وما سينجم عنها من قتل وخراب، وبلغت الإندفاعة الروسية عمق المناطق الغربية المحاذية للحدود مع بولونيا. بالمقابل إنتهت فجر اليوم الأحد معركة السيطرة على خاركيف ثاني المدن الأوكرانية، وشبه انتهت معارك الدون، كما أن السيطرة الروسية على ساحل بحر الأزوف محكمة، وتوسعت المعارك لتشمل سواحل البحر الأسود وبدء الهجوم على أوديسا، لكن مساحة أوكرانيا تتجاوز ال630 ألف كلم مربع والمقاومة في كل مكان، رغم الحديث الروسي عن تدمير نحوألف منشأة عسكرية أوكرانية وعشرات مراكز القيادة والتحكم!
طارت الديبلوماسية، بدأت معارك كسر الإرادات، ولا إمكانية آنية للتفاوض بين موسكو وكييف رغم أن وفداً روسياً في مينسك ينتظر الأوكران الذين لن يأتوا لان كييف ترفض مفاوضات في بيلاروسيا وليس بيدها قرار التفاوض!!… ويستند الديكتاتور الروسي إلى ما يعتبره ماضٍ “مجيد” ويتجاهل أنه ماضٍ ومضى ولا يساعد على تغطية الحاضر السيء للروسيا! ويعرف بالعمق أن نموذج التسلط الإمبراطوري مفروض على الروس، وغير مستساغٍ من دول وشعوب الإتحاد السوفياتي السابق، والوحشية العسكرية يستحيل أن تحاصر الحرية.. وأغلب الظن أن مراجعات واسعة سيعرفها العالم ولن تنجو أي دولة من حتمية ما سيفرضه هذا الغزو الذي سيصيب العام بانفجارات إجتماعية كبيرة!
الأكيد أن هناك في واشنطن من غرر بالسلطة في أوكرانيا ولعب بأنف الدب الروسي، وهذا ما كان قد حذر منه كيسنجر في العام 2014، وما أعاد أمس السيناتور الأميركي برني ساندرز يوم أمس التحذير منه والتخوف من النتائج التي لن ينجو منها أحد، وتأمل واشنطن نتائج تغطي الأحداث من أفغانستان إلى التنازلات في الإتفاق النووي وبينهما التراجع الإقتصادي في أميركا وازدياد البطالة ونقمة دافعي الضرائب! إنها أحلام كبيرة..
الدرس الأساسي لا بد وأن يتمحور حول صيانة وأولوية الجبهة الداخلية ومراعاة حقيقية للمصالح الوطنية. والحمد الله في لبنان لدينا سلطة تابعة تعيش حالة إنكار وموجودة في مكان آخر. كل العالم يتوجس المآزق الآتية، إلاّ المتسلطين التابعين عندنا، أولويتهم مكاسب خاصة وضيقة وعدم إتعاظ. إنهم سلطة التهريب: تهريب موازنة مدمرة، وتهريب مخطط فرض الضرائب على البطون الخاوية، تهريب “خطة” كهرباء تكرس العتمة، تهريب موقف من الغزو الروسي المدان، تهريب حق لبنان بثروته الغازية والنفطية والتخلي عن الخط 29 وكأن حدود لبنان وأرضه ومياهه إرثٍ لأحدهم! وبعده سعي لتهريب الرسالة إلى الأمم المتحدة بشأن الحدود. مهرجون قتلة في موقع القرار، يستندون إلى بندقية لا شرعية تحمي كراسيهم، لا يلتفون إلى شعب متروك، آن الأوان له لكي ينجز البديل السياسي لهذه النفايات السياسية المتسلطة!