لبنان.. فساد مستشرٍ وحوكمة سيئة
تعكس كل التقارير والمؤشرات الدولية مدى تجذّر الفساد الإداري في بنية الدولة ومؤسساتها العامة وحجم الهدر والإسراف في الأموال والثروات الوطنية وانعدام وسائل المحاسبة ومعايير الرقابة والشفافية في ظل غياب ثقافة الحوكمة الرشيدة التي تعتبر الحل الفعال والأمثل لكبح جماح الفساد بعد وصوله إلى مستويات مقلقة، حيث يبقى النظام السياسي المسؤول الأول والأخير عن تفشي هذه الظاهرة الخطيرة التي ساهمت بشكل رئيسي في الوصول إلى الانهيار الشامل وشكلت عائقاً أمام تطوّر النمو الاقتصادي وانتهاكاً صريحاً للقوانين والأنظمة وتهديداً لمستقبل البلد وبنية المجتمع.
الفساد في لبنان حدث بلا حرج، إذ إنها ليست المرة الأولى التي يصنّف فيها ضمن الدول الأكثر فساداً والأقل حوكمةً. فقد أشارت مجموعة مؤشرات البنك الدولي السنوية عن الحوكمة والإدارة الرشيدة إلى تراجع لبنان في مستوى الحوكمة في العام 2020. وبالمقارنة مع العام 2019، أظهرت النتائج تقدّم لبنان في مؤشر واحد فقط من أصل 6 مؤشرات للحوكمة وتراجعه في 5 مؤشرات بحسب النقاط التي حصل عليها على كل مؤشر. أما من ناحية التصنيف، فاستطاع لبنان أن يتقدم في مؤشرين، بينما تراجع في 3 مؤشرات وبقي على حاله في مؤشر واحد. هذا وتشمل المؤشرات 214 بلداً وتصنّف على سلّم مقياسي يتراوح ما بين -2.5 و+2.5 نقطة، من الأسوأ إلى الأفضل من حيث نتائج الحوكمة.
وبحسب التقرير الاقتصادي الأسبوعي الصادر عن مجموعة بنك بيبلوس”Lebanon This Week”، وتبعاً لنتائج المسح السنوي الواردة، فقد صُنّف لبنان من حيث مؤشر فعالية الحكومة “Government Effectiveness” في المرتبة 185 عالمياً من أصل 209 دول تم تقييمها في المسح، والمرتبة الـ 15 بين 20 دولة عربية. ويبيّن هذا المؤشر جودة الخدمة العامة والمدنية ومدى استقلالها عن الضغط السياسي، وكذلك جودة السياسات ومدى تطبيقها، وصدقية التزام الحكومة بهذه السياسات. وبالتالي يكون لبنان قد احتلّ المرتبة 13 في التصنيف العالمي متقدّماً على كل من أنغولا، وزيمبابوي والعراق، وتأخر عن نيجيريا، ومالي وتركمانستان بين الدول ذات الناتج المحلي الإجمالي البالغ 10 مليارات دولار أو أكثر، في حين لم يتغيّر تصنيفه الإقليمي مقارنة بالعام 2019 ليبقى متقدّماً على العراق، والسودان، وليبيا، واليمن وسوريا. هذا وتشير النتائج إلى أن 88.5 في المئة من البلدان حول العالم كانت أفضل من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
أما من ناحية مؤشر ضبط الفساد “Control of Corruption” الذي يبيّن مستوى الفساد في بلد ما، فقد تم تصنيف لبنان في المرتبة 184 عالمياً بين 209 دول شملها تقييم المسح والمرتبة الـ 15 إقليمياً من دون أي تغيير في التصنيف العالمي والعربي في العام 2020 مقارنة بالعام 2019. فعلى الصعيد العالمي، سجّل لبنان مستوى فساد أقل من ذلك في الكاميرون، وقرغيزستان ونيجيريا، ومستوى فساد أعلى من ذلك في كمبوديا، ونيكاراغوا وزيمبابوي. أما على الصعيد الإقليمي، تقدم لبنان على العراق، والسودان، وليبيا، واليمن وسوريا. كما وسجلت نسبة 88 في المئة من البلدان حول العالم مجموع نقاط أعلى من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
وفيما يتعلّق بمؤشر نوعية الأنظمة والقوانين “Regulatory Quality” الذي يعتمد على قياس مدى تماشي السياسات والقوانين مع اقتصاد السوق، وتعزُّز تنمية القطاع الخاص، جاء لبنان في المرتبة 149 عالمياً من بين 209 دول تقيّم في المسح والمرتبة 11 عربياّ. في حين احتل المرتبة 169 عالمياّ بين 209 دول تم تقييمها في المسح والمرتبة 14 إقليمياّ من حيث مؤشر حكم القانون “Rule of Law”، وهو يقيس إلى أي مدى يثق المواطنون بالقوانين ويحترمونها، ويأخذ في الاعتبار نسبة الجرائم والعنف، مسجّلاً تراجعاً مرتبة واحدة في تصنيف لبنان على الصعيد العالمي مع البقاء على نفس التصنيف إقليمياً في العام 2020 مقارنة بالعام 2019.
ساهم كل من الإنهيار الاقتصادي الذي يضرب لبنان وانسداد الأفق في إيجاد الحلول الصارمة في تسليط الضوء على مكامن الخلل والتقصير والضعف في إداراته ومؤسساته العامة التي يستشري الفساد في شرايينها بشكل كارثي مع انعدام أسس الحوكمة الفعالة واستمرار التدخلات السياسية وتجاهل تنفيذ الإصلاحات الإدارية وعدم بذل جهود جدية لمكافحة الفساد ومعاقبة الفاسدين. من هنا، تبرز أهمية إعادة النظر في نظام الحوكمة وتفعيله والعمل على تطوير هيكلية مؤسسات الدولة العامة والتزام أقصى معايير المصداقية والشفافية من أجل تحسين أدائها وفعاليتها وإعادة كسب ثقة المواطنين فيها وترسيخها ومنع الهدر والفساد والمحسوبية للوصول إلى حوكمة رشيدة وفعالة قادرة على انتشال البلد من محنته ومعالجة الأزمة الراهنة وإعادة النمو الاقتصادي وتحريك عجلة التنمية المستدامة.