1. Home
  2. زوايا
  3. عمى المدينة
عمى المدينة

عمى المدينة

62
0

لعّلها الشمعة التي أضأتها بعد أن التهمني العمى عند الساعة التاسعة بشكل كلّي وبعد أن سحب ظلال طاقتي نحو شجرة ملتهبة صالحة لصلب الراحة…كانت صديقتي الوحيدة التي قدمت رأسها كمرآة لأكتب ما أريد وأرسم خيوط الأزمة بدموع أريدها أنا لا الجماعة …العتمة التي بدأت عند الساعة السادسة حين تقمصت المناطق الأخرى كهرباء الدولة المتهالكة واستقبلنا نحن بمباركة جابي كهرباء المولدات وعينيه اللتين تقدحان رمادًا يرشه على أضرحة أفعالنا وأقوالنا ، كان قد سبقها الكثير من الظلمات ، الكثير الكثير من المطبات والكثير من المحاولات الآدمية لمحو ما ينذر به اسفلت هذه المدينة وغبار شوارعها…كان يومي قد بدأ بقبلة، قبلة طلبتها من حبيبتي السابقة، السائحة البرجوازية التي تفرّ من مقبر الشرق نحو مارسيليا، السائحة التي أحبتني وأحببتها ومرضنا سويًا وضحكنا سويًا وبكينا سويًا وانشغلنا سويًا ، السائحة التي جعلت أول أمس قلبي تفاحة حمراء تبحث عن جنتها الأولى ، قبلتني بعد أن طلب خدي منها أن تحط على أسطر مقعده طيف شفتيها…كان كل ذلك نورًا ينذر بالعمى…

أتعرفون ،جل أزمتنا أننا لا نتخذ من أزمتنا العامة حبرًا خاصًا…كانت ربما مشغولة في توقيع ضحكاتها على بلاطات وسط المدينة الفرنكوفونية ، بينما أنا غارق في معجم الشتائم المخصصة للساسة ،راكضًا نحو أسطر القلق ،باحثًا عن نسمة تمنعني من انكسار شجر الأمل في صدري …كانت منشغلة بحبيبها ، النزيل الطارئ الذي سرق مكاني كأنه يسرق شقة ليمارس بها الحب الى الأبد…أخبرتها الكثير بينما كان هاتفي يحتضر كهربائيا ، أخبرتها عن فحص دمي الذي خلق ارتيابًا حول نشاط كليتيّ ونسبة الدهن الموجود في كبدي…أخبرتها عن نوم متواصل لساعتين من الشغف بعينيها وضحكتها وصورتها واستفاقة على قصيدة كاذبة خالية من أوزان الصدق لحاكم مصرف لبنان …لكنها لم تسمع ، قالتها باختصار ” مش رح افضى نبيل …انا عشانك مش رح افضى اسمعك” أتراها حالة يتم جديدة عشتها هذه المرة وسط غابة معتمة؟ كيف لي ان أهاجر بعيدًا منسلخًا عن مناخات مزاجي…

كان عليّ أن أنظر الى الشمعة وانطفاء روحي قبل روحها وانهيار صلابة جلدي بفعل اللهيب …لم اراقب سلوك الجماعة خاصة حين بدأوا كالحمقى يهلوسون ويطرقون على صحونهم الخاوية احتجاجًا على انقطاع الكهرباء…شعوب قررت أن تثور في مزرعتها ما همني؟ ما همني أن الذي خسرت قراءة ممتعة وثانية لكتاب “في بواعث الشعر وعبثه ” لصلاح ستيتيه…ما همني وقد رأيت الرجال الرجال يرمون زغاريدهم على ارصفة المدينة عندما حلت الثانية عشرة منتصف الليل، بدلا من رمي رصاصاتهم على جماجم زعمائهم الأوثان..كل ما همني هو أن أكتب عجزي…عجزي عن أن أكون مؤرخًا أو صحفيا وسط هذا العمى …كنت اليوم ربما زوجًا لهذه العتمة …انجبنا بهيمًا او بهيمين أو ربما ابنًا لها حاولت ممارسة عقوقي على أمومتها…أو حفيدًا يقذف كرته على اسنانها السوداء المنيفة…المهم أني فشلت في تأريخ عمى المدينة…وما يعزيني أني أرخت نفسي خلال ست ساعات كانوا الناس فيها نيامًا…ولم ينتبهوا…نعم…لم ينتبهوا.


tags: