لم ينعقد المجلس الأعلى للدفاع، وما من دعوة له بعد! وضع البلد على حافة هاوية خطرة، مع استدراج العدوانية الإسرائيلية، لا تستحق عناء الدعوة والإجتماع والبحث! حتى أن تهديدات بني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي الذي توجه ب”النصح” إلى حزب الله والحكومة اللبنانية وسائر المسؤولين قائلاً : ما تجربونا”؟ لم تعكس أي ردة فعل، وقد جاء تحذير بني غانتس بعد إجتماعات مفتوحة ضمت المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل، فيما ازدادت الخشية في لبنان، وبداية من الجنوب، من أن نكون أمام خطر تكرار تجربة : “لو كنت أعلم”؟
غابت كل الجهات المسؤولة، كما غاب اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، وهناك قناعة بأن مثل هذه الأوضاع تعالج بإشارة مقتضبة من الضاحية الجنوبية إلى بعبدا القريبة، وكفى “المؤمنين” عناء الانتقال في هذا الحر للإجتماع! فالمجلس الأعلى للدفاع خصص آخر إجتماع له، لقضية كبرى هي للنظر في من هي الجهة التي بوسعها عرقلة التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ، استناداً إلى طلب قاضي التحقيق طارق بيطار منح الإذن لملاحقة اللواء طوني صليبا مدير جهاز أمن الدولة المدعى عليه بجناية “القصد الإحتمالي” بالقتل وما من داعٍ لأكثر من ذلك !
أن لا يبحث في هذا الوضع الخطير من بيدهم قرار البلد وهم في موقع المسؤولية عن حياة أبنائه، فالأمر لا يفاجيء الناس المتروكة لمصيرها! وأن تكون الردود السياسية على كل ما جرى بهذه التعمية والهزال فالأمر مفهوم! ذلك أن البلد محكوم من فئات تابعة متسلطة تستند إلى فائض قوة الدويلة..لكن ما حصل، بعد هبة شويا ومصادرة راجمة صواريخ تسلمها الجيش مع عناصر حزب الله، خطير على الناس ومصيرهم وحياتهم اليومية وأعمالهم، بضوء تتالي التهديدات بحيث استوقف المتابعين القول أن من أقام الكمين “سفهاء ارتكبوا هذه الفعلة”، يجب “أن يتم التحقيق معهم لأنهم حرّضوا على قتل شبابنا وسرقوا ما كان بحوزتهم”!
نعم، من الوجهة الوطنية هناك سلطة لها جيشها المنتشر في المنطقة وهناك قوات دولية، وأبناء الأرض أهل القرى في كل الجنوب من البحر إلى جبل الشيخ، ليس مطلوب منهم الخضوع لفحوصات الدم في الوطنية، وهم الذين طحنتهم الإعتداءات والتجاوزات ولم يتخلوا عن أولوية الدفاع عن أرضهم، وليسوا صندوق بريد! والكل شاهد أن الصواريخ المجهولة – المعلومة هي التي استدعت العدوانية الإسرائيلية!
وبعيداً عن التنظير، فإن أهداف تلك الصواريخ امتدت من السعي لحرف الأنظار والإهتمام عما شهده لبنان يوم الرابع من آب، من تجدد ل “17 تشرين” ومطالبة شعبية عارمة بحماية المسار القضائي، وإسقاط الحصانات وتقديم المتهمين إلى العدالة..ووصولاً إلى توجيه رسالة مبطنة من طهران تقول بالقدرة على تشتيت التركيز على تداعيات ضرب سفينة الشحن في بحر العرب، وما قد تحمله، إلى التهديد بفتح جبهات! أما حديث الجغرافيا فلا قيمة له في زمن “الصواريخ الدقيقة” والطائرات المسيرة” وما “بعد بعد جيفا” حتى الرؤيا المباشرة فتكفي جولة من الخيام إلى كفركلا وبوابة فاطمة وبنت جبيل وميس الجبل ومارون الرايس وعديسة والطيبة وغيرها وغيرها لكن لماذا وخدمة لأي هدف؟
غير أن قضية الحملة التي استهدفت قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار في جريمة الحرب ضد بيروت ولبنان بدت شديدة الخطورة وتستهدف إبعاد قاضي التحقيق عن مهامه وطي الموضوع وتسجيل الجريمة الأكبر ضد مجهول! قالوا عن القاضي صوان أنه تقاضى تعويضاً عن الدمار الذي أصاب المنزل الذي يقيم فيه وتملكه زوجته، فكان ذلك بين أسباب إزاحة صوان رغم مخالفة المستشار في محكمة التمييز فادي العريضي.. واليوم يتهم أمين عام حزب الله القاضي بيطار، أنه لا يعلن نتيجة التحقيق الفني والتقني بسبب وجود تواطؤ مع شركات التأمين! ورغم نفي نصرالله أي علاقة لحزبه بجريمة تفجير المرفأ يطلق أوسع حملة من موقع المرجعية القضائية فيعلن أن بيطار يشتغل سياسة وليس لديه وحدة معايير! وأن التحقيق القضائي مسيس ويخضع للاستنسابية! وكل ما قيل لا يستند لمنطق ولا هدف له سوى التشويه والإبتزاز وتضييع الحقيقة! ليصل إلى بيت القصيد: إما أن يعود التحقيق إلى مساره وإما على القضاء أن يرى ماذا عليه أن يفعل لأن هناك استهداف سياسي في الأمر! إنها دعوة لجهات قضائية لإبعاد بيطار وإلحقه بصوان، كما تخلل الخطبة تحريض لأهالي الضحايا بدعوتهم إلى التظاهر ضد بيطار وليس ضد المسؤولين المتهمين بالقول أن مسار التحقيق سيمنع معرفة من قتل أبناءكم!
ترى ماذا كانت ستكون عليه الحملات لو كان هناك شيء الآن من الاتهام المباشر لحزب الله؟ هنا يبدو مربط الفرس وراء الحملة عدم استكمال التحقيق وإنهائه والاكتفاء بأن ما جرى “حادثة” و”قضاء وقدر” وكل القصة “تلحيم”! فهل هناك معطيات في مكانٍ ما تشي أن الرئيس بيطار اقترب من مرحلة إلاعلان عن قراره الظني في جريمة العصر؟
لكن دعونا نستعير بعض ما لفت الانتباه إليه الكاتب حازم صاغية الذي شبه قصة المرفأ ب”اتفاق القاهرة”! ملاحظاً أن الدولة باتت تعتبر أن الأمر لا يخصها وهو المتعلق ب” المراكز والمواقع والمعابر التي يرى حزب الله أنها استراتيجية”..والواضح هنا أن مشاطرة السيادة أصل الفساد والإهمال، وربما “الإهمال الجنائي”.. ويبقى الأمر اللافت أيضاً ما أورده الكاتب عمر قدور على حسابه “الفيسبوكي” الذي اعتبر أن :”كل واحد من المسؤولين اللبنانيين عن إنفجار النيترات ارتكب جريمتين: القتل غير المتعمد للبنانيين الذين قتلوا في الانفجار والقتل المتعمد للسوريين الذين قتلوا بالكميات المسحوبة الذاهبة إلى بشار الأسد. كان يعرف؟ نعم كان يعرف، وكان يظن أن الأمر لن يتعدى قتل السوريين”.. استطراداً يمكن لفت الانتباه إلى أن من تخلى عن السيادة في “اتفاق القاهرة” كانوا بدورهم يتوقعون أن القتل سيقتصر على الفلسطينيين وجنوبيين ولن يصل إلأذى إلى المناطق الأخرى!
وبعد، جريمة الحرب ضد بيروت ولبنان تحولت إلى قضية دولية وعمل إرهابي موصوف، ولم يعد بوسع حملات الاستهداف الداخلي وقف مسار العدالة الآتية مطلب اللبنانيين الذين احتضنوا التحقيق وإنجازات المحقق العدلي. الجديد اليوم بعد تقرير منظمة “هيومن رايت ووتش”، مشروع قرار أمام مجلس الشيوخ الأميركي مقدم من الحزبين، يطالب بمحاسبة المسؤولين عن تفجير المرفأ، ويؤكد أنه من حق شعب لبنان العدالة والتحقيق الكامل بالتفجير ويذكر أن القاضي صوان تم إبعاده لأنه اتهم مسؤولين بإهمالٍ جنائي! اليوم معركة العدالة تالمفتوحة معركة كل اللبنانيين الذين سينتصرون حتما!