يتدحرج الانهيار ويشمل كل شيء. العتمة التي تلف بيروت ليلاً هي جانب معبر عما وصل إليه البلد، في ظلِّ مافيا متسلطة سياسياً ومالياً وميليشياوياً تتولى حراسة الانهيار المتدحرج حتى النهاية!
الممسكون في خناق البلد ويحتجزون قراره والمصير يستثمرون في العتمة، في البطالة، في الفقر، في الجوع، في المرض، في الحاجة إلى حبة دواء ورغيف خبز، ويدفعون إلى تكريس تثبيت البلد كجزءٍ لا يتجزأ من المشروع الإقليمي الذي تقوده طهران. الموضوع في جوهره هو إحكام السيطرة على البلد بعد إضعاف شعبه المشرزم ودفعه إلى اليأس، مع ما يستتبع ذلك من فرض تبدلات في وضعه الدستوري والحقوقي والقانوني، وهي تبدلات يراهنون على فرضها عنوة نتيجة ميزان قوى داخلي، له امتدادات إقليمية مؤثرة، وينطلقون من لبنان القديم مات بعد أن طال الانهيار كل قطاعاته، وفقد تميزه والدور!
نعم إنه كابوس خطير زاحف يرتبط نجاحه باستكمال تلاشي البلد فيسهل التحكم به والسيطرة عليه. وما كان لهذا الخطر أن يجسم على صدر البلد لولا الدور الذي قامت به منظومة الفساد التابعة والمرتبطة. هنا يكفي أن نطرح السؤال ماذا يفعل المسؤول في لبنان؟ الجواب معروف فكل المسؤولين أو الجهات المكونة للمنظومة السياسية، لهم مصالح متشابهة هي ما يحدد أولويتهم والأدوار التي يقومون بها، سداها ولحمتها الحفاظ على الثروات الخاصة والدور الممكن في نظام المحاصصة الطائفي، مع رهان مطلق أن الحماية تتأمن من خلال الالتصاق بحزب الله، لكل ذلك لا يلتفت أحد إلى مصلحة وطنية أو مصالح مواطنين، وأن تغرق بيروت في العتمة فالأمر سيان!
عليه لننسى كلية التكليف والروايات التي تنسج حول التأليف والمواقف منه، وكذلك مهلة أسبوعين أعطاها بري للحريري وباسيل ومهلة 10 أيام أعلنها البطريريك لتأليف حكومة، ولنتعظ من تجربة تمام سلام الذي مُنع من تأليف الحكومة طيلة 11 شهراً ولم ينجح إلاّ على وقع الاتفاق النووي! وقرار البلد اليوم مصادر بانتظار ما ستسفر عنه مباحثات فيينا، وكيف سيتم التعاطي الدولي مع النظام الإيراني بعد الانتخابات الرئاسية التي ستتم في 18 الجاري أي بعد 11 يوماً، أكثر بيوم من مهلة الراعي وأقل 3 أيام من مهلة بري! ولننسى أيضاً ما يروج من أنه إن فشلت عملية التأليف فسيكون المحتم الذهاب إلى تأليف حكومة انتخابات! طيب الذي يُفشل الأولى لما سيسمح بالثانية؟ وإذا كان يستثمر في الانهيارات ما الذي يدعوه لأن يقبل مجرد فرملتها، إلاّ إذا كانت الانتخابات مضمونة بنتائجها لتعجيل فرض واقع دستوري وقانوني آخر ؟ هذا الكابوس أعمق وأخطر وسيستمر لفترة أطول، ولا يمكن أن يواجه بهرولة البعض، من أصحاب النوايا الحسنة، إلى تقديم عنوان الانتخابات على ماعداه، كما لا يجوز مطلقاً إغفالها والتغاضي عن تأثيرها وحتمية منحها أولوية .
المشروع الخطير يتقدم في غياب الناس، وهم أصحاب المصلحة في استعادة الدولة المخطوفة، أصحاب المصلحة باستعادة المؤسسات ومنع هيكل السلطة من التداعي، لأن الفوضى الشاملة لو وقعت لتلاشت نهائياً الحقوق؟ والسؤال الملح هو كيف للناس الذين يفتقرون لأدوات كفاح فعالة تبلور وحدتهم وقوتهم مواجهة هذا الخطر المحدق؟ في البلد حالات واسعة تدعو للتجمع وتتخذ تسميات شتى الجبهات التشرينية، والنقاشات واسعة والكثير منها جدي ومعمق في تشريح الوضع..لكن الجامع بين كل هذه المحاولات هو العزلة عن الناس وترك هوة من إنعدام الثقة تتسع بين حالات “الجبهات” والتجميع المدينية وسائر الكتل البشرية التي لا بديل عن استعادتها لإحداث الفارق. هناك يقين أن العمل السياسي المنظم والمباشر مع المواطنين، وهم كما أكدنا أعلاه، أصحاب المصلحة بالحفاظ على البلد واستعادة الدولة، هو العمل الذي يعول عليه، لأنه يرسم الطريق الأمثل للخروج من عنق الزجاجة..وكم تكون الفعالية أوضح وأمضى، عندما يتاح الجمع بين الممكن من الكفاءات والقدرات، مع أولوية إيجاد الأطر التنظيمية لعمل سياسي يجمع الفعاليات المناطقية كما المدينية وكذلك لو أمكن المهنية، لبلورة ركيزة متينة من الركائز التي يقوم عليها العمل الجبهوي السياسي المعارض الساعي إلى بلورة البديل السياسي، في بلد تم فيه تطييف النقابات وتدجينها وواقعياً تعطيل العمل السياسي الحقيقي، وربما لم تعد الأطر الحزبية القديمة قادرة على أي دور تغييري.
تبدو الكثير من العناصر مشجعة على الدفع بهذا الاتجاه، لأن الطلاق تكرس بين الأكثرية الشعبية وكل الطبقة السياسية التي ارتكبت الكبائر. وتُقدم التطورات كل يوم الوقائع التي تدفع للمضي بهذا الاتجاه، وما فتح “نيابة مكافحة الفساد” في باريس ملف الإثراء غير المشروع لرياض سلامة، الملاحق أمام القضاء السويسري بتهم غسل أموال وتهريب، إلاّ خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح. رياض سلامة ليس مجرد موظف أو محاسب، ويلاحق الآن فرنسياً بتهم تكوين جمعية أشرار والأمر يندرج في سياق أكبر وهو حماية الاقتصادات الأوروبية من آفة الفساد.. ورغم تغاضي القضاء اللبناني وتنكره للدور المطلوب منه حيال هذا الملف الخطير، فإن هذا الحدث أشبه بكرة ثلج سيصب في مصلحة القوى الساعية لاستعادة الدولة، وكسر الحلقة الجهنمية الهادفة لفرض الاستتباع على البلد!
ولتبقى الآن العيون مصوبة على استحقاق انتخاب نقابة المهندسين، وأولوية دعم جهود تجمع:”مهندسون مستقلون” الوحدوية. أولوية العمل الدؤوب من أجل خوض الانتخابات موحدين في جبهة تضم كل قوى تشرين، ما يتيح تقديم الفريق الواضح في الصلابة والكفاءة العلمية والمهنية، والحامل للرؤية المتقدمة التي لا بديل عنها كي ينجح هذا القطاع بقيادة نقابة مهندسي لبنان، في القيام بما هو مؤمل منه في سياق المعركة الأكبر : معركة منع تفكك البلد وتلاشيه.