صمت يلف بعبدا بعد صدمة المجلس النيابي السبت، وما من مؤشرات عن استعداد لأن يتم بلع السقطة التي مثلتها الرسالة غير الدستورية والتي ووجهت برد قاس من الحريري، وواقعياً رفض نيابي لتوجهات القصر الذي يستعد لخطوات سجالية جديدة، لا مكان فيها لهموم البلد وناسه! وها هم يتحدثون عن “خدعة” تعرض لها التيار العوني فإلى عزلته الشعبية برزت عزلته ضمن المجموعة المتحكمة. والقصر لا ينفرد في مواقفه التي لا تقيم أي اعتبار لوصول البلد وأهله إلى الحضيض، بل هو هنا شريك في الموقف لطبقة سياسية فاسدة فاجرة ناهبة قاتلة لا مكان لاحتياجات الناس على جدول أولوياتها!
غداً 25 أيار، لمن فاتته المناسبة، إنها ذكرى مرور 21 سنة على عيد التحرير الذي أعلن إثر جلاء الاحتلال الإسرائيلي في مثل هذا اليوم من العام 2000. وبالتأكيد ستكون هناك الكثير من الكلمات المخصصة للمناسبة، فالتحرير كحدث استثنائي الأهمية ينعكس عادة أمناً واستقراراً وبحبوحة! ولأن الممسكين بزمام الأمور قاموا بما عليهم، سيكون لديهم الكثير مما يعلنون عنه، وعن دورهم في رفع الذل عن المواطنين وحماية كرامات الناس، وكيف لا، ولولا الصمود والبطولة التي بدأت من 16 أيلول العام 82 يوم دنس العدو أرض العاصمة بيروت لما كان تحرير ولما كان انتصار ولا مناسبة لاحتفالية سنوية!
أعرف جيداً أن الفرح غائب وعصي وصعب المنال، لكن مواطنينا لم ولن يفقدوا الأمل، أمل وقف الانهيار، أمل بدء النهوض بالعودة إلى الساحات مع تراجع الجائحة. ساحات “17 تشرين” التي اشتاقت لأحرار هم صناع كل خير وتحرير، هم الذين لم يرتضوا الاستسلام للسقوط فنهضوا وعاودوا النهوض والترميم والبناء، وهم سيكونون صناع استعادة الدولة المخطوفة، فتُستعاد الكرامات وتغمر بقعة الضوء والهواء النظيف كل جغرافيا البلد.
وبعد، إنهم بعد استباحة أُرغم عليها أعداد من اللاجئين ضحايا النظام السوري وحلفائه، أرادوا من خلالها التأكيد على المضي في الاستباحة وإلحاق الهزيمة بالبلد والأمل، قام فصيل ميليشيوي باستباحة شارع الحمراء! هناك على مسافة ضربة حجر من وزارة الداخلية التي لم تحرك ساكناً تم الاستعراض المقزز. الجماعة حملتهم مناسبة 21 سنة على التحرير إلى تقديم البهجة للناس، نيتهم صافية، ووفق بيان عن المنظمين فإن الفحيح العنصري وكيل الشتائم والتهديد بالقتل، أمور لم تكن من ضمن البرنامج الرسمي للإحتفال، بل جانبية وعلى الهامش.. وهم لم تفتهم تطورات المنطقة، وضربة قدمهم هدارة، هتفوا: يا قدس قادمون!
وكما عمت البحبوحة والأمان والحفاظ على الأموال وجني الأعمار على يد هذه المنظومة الفاسدة، وخصوصاً من استبدلوا اللبنانيين وأعلنوا احتكار النصر بالتحرير، فاستعراض الحمراء ل”نسور الزوبعة” اللاعنفي، الذي يطلق الفرح في قلوب الأطفال، على ما كتب وأخبرني صديق متابع، سيكون فاتحة العودة التجارية للشارع الذي له الكثير في ذاكرة الناس، وعلينا أن نتوقع نمواً اقتصادياً استثنائياً هذا العام! هذا الاستعراض هو الوجه الآخر لحملة تشجيع السياحة التي كانت مدار بحث في الأيام الماضية في قصر بعبدا!
ويأتيك بالأخبار، أن سودان الثورة وصلت في مؤتمر باريس لانتزاع اتفاقات مع الجهات الدولية لإعفائها من ديون قيمتها 45 مليار دولار، ترتبت على السودان أيام حكم البشير والجماعة الإسلامية، وتمكنت حكومة حمدوك من إدارة أهم محادثات مع الجهات المؤثرة في العالم وهي الحكومة التي تقود مرحلة انتقالية بالغة التعقيد وبالغة الصعوبة، لكن في رأس اولوياتها ضمان استعادة السيادة والاستقلال وحماية مصالح أهل السودان!
إنه حدث نوعي يؤكد بما لا يقبل الشك، أن مطلب ثورة ” 17تشرين” قيام حكومة مستقلة عن نظام الفساد الطائفي، هو الممر الوحيد لاستعادة الثقة مع الداخل والخارج، وهو الممر الإجباري كي نستعيد احترام العالم، وكي يسمع الصوت ويكون ممكناً توفير الدعم المنزه للنهوض، وتوفر الإمكانات لخوض المعارك القضائية والقانونية لاستعادة الأموال المنهوبة..أما بقاء البلد تحت رحمة التحالف الحاكم وحكومة الدمى لتصريف الأعمال، وقتال أطراف المنظومة على الأحجام والأدوار والمواقع والحصص والبلد يتفكك فلن تقوم للبنان أي قائمة.
اليوم أكثر من أي وقت، فجر البلد يصنعه أهله، ويستحيل على الدويلة الآمرة المضي مع أتباعها في تغطية “السموات بالقبوات”! وحده هدف بناء ميزان قوى يعكس قوة اللبنانيين وإرادتهم، ينبغي أن يكون حجر الرحى لصناعة التحول في لبنان. الذهاب إلى الناس ومعهم بناء أسس قيام الجبهة السياسية الموعودة، جبهة البديل السياسي، وهو الأولوية في معركة صعبة وطويلة لكنها ليست مستحيلة على شعب اعتاد النهوض وميزته رفض الاستسلام!
وبعد البعد، كل الحب والدعم لأبناء غزة الصمود. لا بد لهذا الليل أن ينجلي. نعم حماس منتصرة بتثبيت موقعها وإسرائيل منتصرة ولا مجال لأي مقارنة سمجة. لكن هناك هزيمة وتذكروا تموز 2006 غير ان هزيمتكم لن تطول. لن يهزم السواد تمسك كل شاب وصبية في غزة بالأمل وبالمستقبل والحق بالحرية والأمان والاستقرار والاستقلال الحقيقي.. وكما ترسم انتفاضة القدس التي لم تتوقف، المسار الحقيقي رغم صعوباته، فالمسار الغزاوي لا يمكن أن يستمر محجوزا ومخطوفاً خدمة لأجندات خارجية!