يراد للفلسطيني عموماً وللمقدسي خصوصاً أن يكون كبش محرقة، مرة عليه أن يدفع ثمن السعار الاستيطاني كما تحاول قطعان المستوطنين فعله في حي الشيخ جراح أو باب العامود، ومرة أخرى عليه أن يدفع ثمن التأزم السياسي في إسرائيل، نتيجة انعدام الاستقرار السياسي بعد العجز عن تشكيل حكومة مستقرة.
الطرد والاقتلاع وتغيير المعالم الجغرافية والتاريخية هو ما قامت عليه الدولة العبرية، ومحاولة الاقتلاع الجديدة البالغة الخطورة، ظنّت تل أبيب أنها سهلة، وأنها تستفيد من أجواء متطرفة تسود المحيط العربي، حيث التطرف والإقتلاع والتهجير على ما جرى في سوريا وطال نصف السكان! لكن الهبة المقدسية والفلسطينية كسرت الهجمة الاستيطانية وتحولت قضية الشيخ جراح إلى قضية إنسانية وأخلاقية ضد الاقتلاع، ومن هذه الزاوية خاطبت المجتمع الدولي وحركت ضمائر في أبعد الأمكنة، وخصوصاً الأوساط التي ترفض التمادي البربري!
الانتفاضة المقدسية أطلقت مساراً مغايراً لما خطط له الصهاينة، وبدا أنه يمكن أن يتحول إلى ظاهرة تبتدع الأساليب والوسائل التنظيمية للإرتقاء بالنضال السلمي الفلسطيني، وإذا بالحركة أمام التحدي الصاروخي من غزة. صحيح أن الحرائق اشتعلت في تل أبيب واللد وعسقلان وأطراف القدس وغيرها كما لم يحدث في أي مواجهة سابقة، وأن الاضطراب يسود أنحاء واسعة من المدن الإسرائيلية، لكن الثابت أن حرب الصواريخ سترتب أكبر الأثمان على الغزاويين ومن بعدهم كل الفلسطينيين، بحيث بدا انفلات العنف الصهيوني المفرط ضد غزة البشر والحجر، لكن التحدي أن كل ذلك لن يحرر بوصة واحدة من الأراضي المحتلة ولن يحمي حياة فلسطيني واحد، وسيضعف حركة الدعم الدولية للفلسطينيين.. وبالتأكيد حرب الصواريخ لن تلحق الهزيمة بالعنجهية الإسرائيلية، لكنها وضعت كل المنطقة على فوهة بركان!
إن أخطر ما يدور الآن ويطحن الفلسطينيين هو أن تؤمن هذه الموجة خدمة أهداف طهران وتل أبيب معاً، بحيث تؤدي الضغوط إلى هدنة تنتهي باتفاق ما على التقاسم، ما يكرس مرجعية طهران في غزة ويثبت حالة التقاسم الأوسع، فيكون الخاسر الوحيد الشعب الفلسطيني وقضيته وخلفه كل العرب!
وبعد، أعلنت واشنطن عقوبات أميركية على 7 أشخاص على علاقة بحزب الله، وتقول الخزانة الأميركية أنهم رأس الادارة المالية للحزب ومؤسسة “القرض الحسن”. وقد خطفت هذه العقوبات الاهتمام عن أمور أخرى من الجمود السياسي مع بروز كل أشكال الضغائن وإصرار من القصر كما الآخرين على إملاء الشروط التي تحفظ لكل فريق ما يراه من دور مؤثر لاحق، واستمرت الانهيارات المعيشية مع انفلات كواسر الكارتلات الاحتكارية على الناس. وقد بدا أنه بمعزل عن الجهة الموجودة في البيت الأبيض (ديموقراطي او جمهوري) تواصل واشنطن السياسة التي ترى أنها تجفف المصادر المالية لحزب الله. بين المستهدفين ابرهيم ضاهر الذي وصفته الخزانة الأميركية بأنه يشغل منصب رئيس الوحدة المالية المركزية للحزب التي تشرف على الميزانية، وأحمد يزبك رئيس مؤسسة “القرض الحسن”!
وقد لفت الانتباه أن وزير الخارجية الأميركية بلينكن رأى أن الدور الذي تقوم به هذه المؤسسة يعرض المؤسسات المالية اللبنانية لخطر العقوبات الأميركية، وأن تخزين هذه المؤسسة السيولة النقدية التي يحتاجها الاقتصاد اللبناني يعرض استقرار الدولة اللبنانية للخطر. وفي السياق إياه جرّم الادعاء الأميركي في فيرجينا سيدة لبنانية هي رشا فرحات بتهمة المشاركة في غسل أموال لصالح حزب الله، وقد اعترفت السيدة الخطيب أنها مذنبة وضالعة في المشاركة في غسل أموال لفترة استمت نحو عقد كامل.
وبعد، والبلاد عشية الانفجار الكبير وفق كل المؤشرات، فإن الأمر سيان عند الجهات الرسمية ومن بيدها القرار! أولوية القصر في مكان آخر وحكومة تصريف الأعمال مستقيلة كلية من دورها ومسؤوليتها. وهكذا ينتظر عون اعتذار الحريري، وهو متمسك بقوة بمواقفه دون أي اكتراثٍ للنتائج، وتعتبر أوساطه أن القضية مسألة وقت، ويحضر عدة ما بعد الاعتذار. وقالت معطيات متقاطعة أن موفداً من القصر تباحث مع ميقاتي لمعرفة استعداده لترؤوس الحكومة، بعد اعتذار الرئيس المكلف، ويقال أن الميقاتي ترك الباب موارباً لأنه وضع قائمة شروط ينتظر الأجوبة بشأنها لتحديد موقفه.. وكل ذلك على ذمة المصادر!