إنها الغابة تبرز ملامحها أكثر فأكثر، وما ستحمله الأيام الطالعة عن دور منظومة الفساد في تجويع اللبنانيين مقلق جداً بضوء المؤشرات التي تتلاحق، ولا يوازيها إلاّ هذا الإصرار على عدم تحمل المسؤولية من جانب الطبقة السياسية، القصر والمجلس النيابي، وترك البلاد دون حكومة أقله لتدير الأزمة، وذلك منذ الرابع من آب يوم جريمة تفجير المرفأ وبيروت، وإدارة الظهر لكل الإفلاسات والانهيارت والبطالة والمجاعة والوباء! المخاطر الاجتماعية تقدمت ما عداها وبالمقابل تحتدم السجالات السياسية بين أطراف السلطة حول نفس العناوين: الحصص داخل نظام المحاصصة والأدوار والمواقع، والبلد يتفكك والخطر يحيق بالمؤسسات!
الغلاء بات مخيفاً، وأسعار السلع الغذائية سجلت قفزات كبيرة في الأيام القليلة الماضية، فيما يتبين أن قصة البطاقة التمويلية “لعي بلعي” وحكاية “السلة الغذائية” كانت لتمويل بعض القوى المتسلطة، واخطبوط الاحتكارات يتمدد والسلطة سياسة وأمن مستقيلة من واجبها، والقضاء بعيد كل البعد عن دوره، وحكومة تصريف الأعمال تقوم بالمطلوب منها على أكمل وجه: استكمال سياسة “الدعم” التي تضغط لنهب المتبقي من أموال في مصرف لبنان هي للمودعين، كي يتوفر التمويل للمتحكمين والميليشيا وللمحتكرين، ويترك المواطن أسير إجرام الاحتكارات والمضاربين!
منذ صباح الأحد تكدست السيارات حول محطات المحروقات التي امتنعت بشكلٍ مفاجيء عن تعبئة البنزين، لكن التهريب جهاراً نهاراً إلى سوريا لم يتوقف، وتستمر قوافل الصهاريج تعبر الحدود دون حسيب أو رقيب، لا بل إن كل ما يجري محمي ومغطى ، غير أن بعض الأفلام توزع عن مصادرة مواد يتم تهريبها من بضعة مئات من ليترات البنزين أو حتى ألف وألفي ليتر وحتى عشرات قوارير الغاز، لكن قوافل الصهاريج لا يعترضها معترض! أما السلع المدعومة فقد غابت منذ زمن عن الرفوف كما الكثير من أصناف الأدوية، وهناك عملية تخزين كبيرة لتحقيق الأرباح المضاعفة من عمليات بيع في السوق السوداء أو مضاعفة الأرباح مع نهاية هذا الشهر الموعد المضروب لرفع الدعم رغم عشوائيته، دون أي بدائل، ما يعني أن سعر الفروج الذي بلغ نحو 50 ألف ليرة في الأيام الماضية سيصل إلى 100 الف وصفيحة البنزين ستتجاوز رقم 120 ألف ليرة!
الانفجار على الأبواب وتبدو الطغمة السياسية التي كدست الأرباح تراهن على الفوضى والخراب وإمكانية العودة إلى شراء الولاءات عبر كراتين الإعاشة. غير أن الأنظار انشدت أمس إلى منحى جديد حمله بيان عن مصرف لبنان، قد يحرر الودائع والحسابات جزئياً، معلناً عن إطلاق آلية مع المصارف لتسديد تدريجي للودائع يتم بموجبها دفع مبالغ مقسطة تصل إلى 25 ألف دولار بدءاً من آخر حزيران.. وبدا القرار بمثابة هجمة مرتدة على الطبقة السياسية التي تضغط للاستمرار في عمليات دعم عشوائي يغطي التهريب ويؤمن التمويل للجهات النافذة وبالأخص الدويلة! ويتردد أنه لو نفذت هذه الخطوة فيمكن أن تحتوي لمرحلة مقبلة حالة التضخم المفرط ويتلافى المصرف المركزي طبع المزيد من العملة ما يفرمل انهيار سعر الصرف ولو مؤقتاً! لكن هل هناك جدية من جانب المصرف المركزي وهل ستتخلى منظومة الفساد عن مخطط استنزاف المتبقي من اموال الناس بسهولة ومن اين سيتم توفير التمويل للدويلة وميليشيات النظام السوري وزيادة ارباح الاحتكاريين، اذا تم هذا الامر ؟ وبأي حال الساعات الآتية يمكن أن تقدم الكثير عن هذا المنحى فيما لو تم فعلاً تثبيته واعتماده وماذا عن ردة فعل وكيل التفليسة حسان دياب وحكومته!
حكومياً يبدو التكليف بلغ خواتيمه، وواقعياً بعد سحب الغطاء الفرنسي، الذي لم يتوفر اساسا الا جزئيا، تقدم احتمال اعتذار الحريري، والاعتذار سيظهر حجم المأزق ويفاقم من مسؤوليات المتحكمين، خصوصاً وأن كل النقاش الدائر خلف الكواليس يشي أنه لو اعتذر الرئيس المكلف فلا نية جدية إجراء استشارات ولا تكليف سريع، وأن حكومة الدمى باقية في خدمة مشغليها!
وبعد يا قدس!
وبعد، كلما اندلعت الاحتجاجات السلمية في القدس أو سواها من الأراضي المحتلة، وكلما اتسعت المواجهات السلمية التي يخوضها أبناء الأرض وأهلها وبدأ الضغط الدولي ضد التعسف الصهيوني، ويفتح الباب أمام التحرك الشعبي الفلسطيني لأن يتحول إلى حدثٍ سياسي يحاصر التعسف، هناك من يتحرك ع الطلب لصرف الأنظار وتغطية إجرام نتنياهو! صاروخ واحد من غزة أو دفعة صواريخ تعجل في إجهاض التحرك وفي صرف النظر دولياً عما يجري، وهكذا تتكرر المأساة وتنكشف الارتباطات والأهداف الحقيقية!