ينقضي اليوم الشهر السادس على تكليف الحريري تأليف حكومة بديلاً عن حكومة دياب التي أطاحها تفجير المرفأ وبيروت فاستقالت في العاشر من آب الماضي. لكن اطمئنوا بالنسبة للقصر الأمور تحت السيطرة والرئيس شخصياً أطلق وعداً قديماً قال فيه أنه سيسلم البلد أفضل مما تسلمها، وعاد ليطلق آخر الوعود بأنه إن لم تشكل الحكومة ف”رايحين ع جهنم”!
بالطبع الجحيم الذي يعيش فيه المواطن اليوم ليس شيئاً أمام المنتظر، فمن جهة إولى هناك الأحزاب المسيطرة باسم الطوائف تحضر كراتين الرشوة من جيوب الناس التي نُهبت ومنهم من يطلق النفير لحملات الشحادة في الخارج والأمر ليس جديداً وهو باب للتكسب الحزبي لا يصل منه للناس إلاّ النذر اليسير، وبالتالي فإن كل ما يدور لا يعول عليه لأنه بالكاد يلبي طلب أقليات مستتبعة، ومن الجهة الأخرى يعود التخوف إلى أنه لم يصدف في التاريخ أن التقى في بلدٍ ما ودفعة واحدة، كل هذا الفساد والارتهان والتبعية على مستوى الطبقة السياسية التي تناصب شعبها العداء وتعامله كعدو، فلا تفرج عن حكومة جُلّ ما يمكنها القيام به أن تبطيء الانهيار، وأن تفرمله جزئياً وربما تجد حلولاً جزئية كبطاقة تموينية للأسر المحتاجة والرقم يدور عن نحو 800 ألف أسرة ما قد يبطيء المجاعة!
لكن مهلاً هناك أولويات أخرى، فإذا كان مجلس القضاء قد استوعب إلى حدٍ ما تمرد القاضية غادة عون، بإحالة الملف المتعلق بها إلى التفتيش القضائي، وهو ملف يتجاوز الإشكال الأخير، بعدما رفض بحزم “تمسكن” عون التي سعت إلى تقديم شخصها كضحية مستهدفة، واعترفت أنها لا تسيطر على انفعالاتها العصبية، فإن تداعيات المكاسرة بين مجلس القضاء والتيار العوني ستتواصل وتتخذ أشكالاً مختلفة، بدليل المطالعة الدفاعية عن القاضية عون من عضو المجلس الرئيسة هيلانة اسكندر التي هددت بالاستقالة فأتاها جواب رئيس مجلس القضاء حاسماً أن تفعل ما تراه حتى الاستقالة! والأمر البالغ الأهمية يكمن في معرفة ما إذا كان مجلس القضاء، في وضعٍ يمكنه من استعادة الهيبة للقضاء والعدالة، والمحك هنا البت بقضايا الناس المتكدسة وأقله جلب أحد الناهبين الكبار أمام قوس العدالة! والمحك الأهم التعاطي الجدي مع جريمة المرفأ وتدمير العاصمة!
الوباء يفتك بالبلد واللقاح بطكيء بطيء، والمجاعة تتسع والتهريب مستمر وهو “عمل مقاوم” كما أتحفنا الشيخ النابلسي، ومعارك تعطيل البلد من خلال ذرّ الرماد في العيون لم تتوقف. ولأن هناك قناعة بأن عون سيغادر القصر الجمهوري ليلة 31 تشرين 2022 لكن ما من ضمانة أن رئيساً جديداً سيدخل القصر في اليوم التالي، فإن التركيبة الحكومية هي بيت القصيد! ولأن “التوريث” بات من باب رابع المستحيلات فمعركة الثلث المعطل تبقى مفتوحة لأنها باب الهيمنة على القرار واستمرار النهج العوني في وقت ستمسك الحكومة بكل السلطات بما فيها الرئاسية! لذلك سيعود القصر انتقائياً إلى نغمة “التحقيق الجنائي” في مصرف لبنان، والسؤال أنه من منعه من ذلك منذ السنة الأولى لوجوده في بعبدا، فيما اليوم يعلم القاصي والداني علم اليقين، أن التحقيق يتطلب التعاقد مع شركة دولية لذلك، سواء “الفاريز ومارسال” أو سواها، والعقد لمثل هذا التعاقد يفترض وجود حكومة مكتملة الصلاحيات لتوقيعه!
طبعاً هذه المعركة أعلاه ستكون الآن أولوية بعد طي صفحة تعديل مرسوم التحديد البحري جنوباً، رغم أن القصر خوّن كل من طرح السؤال عنها، والطريف أنه يدور اليوم حديث عن خط بحري آخر للتفاوض يعطي لبنان مساحة 1300 من الكيلومترات المربعة عوض 2290 كلم إذا ما اعتمدت النقطة 29!.. والأمر إن دلّ على شيء فهو أن الأساس المعتمد سلطوياً هو التفريط واللامسؤولية.. موضوع بحجم قضية حدود البلد وحدود الثروة الموعودة أعلى بكثير من هذه الخفة، وهنا المطلوب العلم والصلابة ومناقشة جدية مع الأمم المتحدة لتبيان الحقوق، مطلوب سلطة موثوقة لحماية مصالح البلد، وبالتالي الابتعاد عن الخفة في التعاطي الخطير على ما يشهد كل الناس، وأيضاً الخفة والتجاهل حيال ما يجري شمالاً حيث قضم النظام السوري جزءاً من المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان، والأمر يمر، وكأن شيئاً لم يحدث، ويكتفي الحكم بتعميم جواب الأسد لعون فيقول الأول: علمي علمك!
في كل هذه المعارك التي تهدد بتلاشي السلطة يستمر الصمت يلف موقف الجهة المستفيدة. دوماً يتسبب نحر المؤسسات وإضعافها وانتشار التسيب مقدمة للسيطرة الخارجية، والجهة الطامحة بالهيمنة على البلد معروفة والمسألة ليست سر الأسرار، ولو لم تكن الدويلة التي تغولت على الدولة لما تجرأ التيار العوني المدان شعبياً والمنبوذة قيادته على مثل هذا السلوك.. دوما لا ينبغي إغفال دور المستفيد!