الخطاب المتلفز لرئيس الجمهورية، ومذكرة الجلب للرئيس المكلف التي أطلقها عون، تأكيد جديد على المدى الذي بلغه الانهيار مع رئاسة منفصلة كلية عن الواقع!
مطلب اللبنانيين عندما علموا أن هناك كلمة سيوجهها رئيس الجمهورية كان الرهان على أن خطوة ما، قرار، إيحاء، بأن من أقسم على الدستور سيتحمل مسؤوليته ويضع حداً للتعطيل والفراغ، وينحي جانباً شهوات الاستئثار والتوريث، وربما كان البعض ينتظرشيء ما يفيد أن الرئاسة لن ترتضى هذا الانهيار للبلد ولا تقبل أن يُذل اللبناني الذي بات يتسول رغيف الخبز، فخاب فألهم! إنه الشخص نفسه وخطاب الأمس فيه كل ما كان في أواخر ثمانينات القرن الماضي يوم سيطر الجنرال على قصر بعبدا!
إنه خطاب جبران باسيل يتلوه رئيس الجمهورية، والمضمون تطبيق حرفي لمطلب التيار الباسيلي قبل أيام من أنه “لازم يعمل شي الرئيس”، فكان الخطاب أشبه بمذكرة جلب، فضلاً عما تضمنته من إهانة لرئيس مكلف من أكثرية نيابية تأليف الحكومة، كانت البشاعة في المضمون الذي وضع الحريري بين خياري الموافقة على شروط القصر لتوقيع مراسيم التأليف أو التنحي عن المهمة! وقد استدعى هذا الموقف رداً من بيت الوسط من العيار الثقيل، بدعوته عون إلى الاستقالة: إذا كنت عاجزاً عن توقيع مراسيم التشكيلة الحكومية صارح اللبنانيين وافسح المجال أمام انتخابات رئاسية مبكرة، إنها الوسيلة الدستورية الوحيدة لإلغاء مفاعيل انتخابك من المجلس النيابي قبل 5 سنوات كم مفاعيل إختيار الرئيس المكلف قبل 5 أشهر!
دوما التاريخ اللبناني يعيد نفسه. كانت الثورة البيضاء في أوجها عام 1952 فسعى الشيخ بشارة لمحاولة استيعاب من خلال إقالة الحكومة السلامية آنذاك، فرد عليه صائب سلام: الناس تطالبك أنت بالاستقالة لا أنا، لكن يمكن أن نستقيل معاً! وفي العام 1958 حاول الرئيس شمعون الإلتفاف على التدهور بإقالة حكومة سامي الصلح فرد الصلح صاحب النكتة: بابا جينا سوا وبنروح سوا! وهذا ما تكرر أمس فلا يستطيع عون التنصل من مسؤولية القصر عن ارتهان البلد وعزله وانهياره وافقار أهله وإذلالهم، وهم كل يوم يتجرعون السم نتيجة البطالة والعوز والجوع وإذلال كارتل الإحتكار على أنواعه، من المحروقات إلى الطحين والاستشفاء والمتحكمين بحبة الدواء! ولا يمكن أن يكون المقبول للبقاء هو الحريري بالزعم أنه نموذج رجل الانقاذ، فكل من شارك في التسوية الرئاسية المشينة عام 2016 يوم تم تسليم قرار البلد إلى حزب الله ومن خلفه، ارتكب الجرم الأكبر بحق البلد فتسبب بعزله وإضعافه وإنهاء مكانته ودوره، وألحق المذلة بأهله وهو شريك في المسؤولية عن كل هذا الخراب، والحكومات التي ترأسها الحريري في هذا العهد هي الحكومات التي قادت إلى الإفلاس والدمار، وأكملت حكومة الدمى المهمة فبات مهدد وجود الكيان!
فتح عون حرب إقصاء عن التأليف ستضع البلد أمام المزيد من الانهيارات، سبقها الشعور بعزلة القصر الذي لولا زيارات أهل البيت لنبت الحشيش على أدراجه، فقد كان معبراً بيان كتلة بري ضد الاستئثار والتوريث، وكذلك ما سمعه وفد حزب الله في موسكو والرسالة المباشرة التي أبلغها أمس السفير الروسي إلى باسيل، فقفز القصر إلى هجوم وقائي بإشعال حرب إلغاء، ومن اليوم قد يطير سعر صرف الدولار أكثر فأكثر لأن انهيار الليرة سيأخذ منحى دراماتيكي بالغ الخطورة، ومن يدري قد لا يستقر الانهيار مؤقتاً عند سعر صرف 20 ألف ليرة مثلاً لكل دولار! إنها النكبة تتدحرج والبلد أمام حالة نيرونية لا تتورع عن إشعال النار في الفسيفساء اللبنانية!
لقد أعطى الشعب اللبناني من خلال ثورته المثال على اعتزامه انتشال البلد من الهاوية، واستعادة الدولة المخطوفة بالسلاح والفساد والطائفية، وقدم الصورة عن رقي في التمسك بتحركه السلمي الشعبي لاستعادة حقوقه والكرامات. وأكد على الدوام أن القضاء وحده الذي ستحقق الثورة استقلاليته هو وسيلة الحساب والعقاب والطريق لاستعادة المنهوب، والدعم الوحيد للبنانيين في هذه اللحظة هي العقوبات الدولية على “منظومة النيترات” الفاجرة الناهبة القاتلة التي لا وطن لها إلاّ حساباتها المالية. والحديث الفرنسي عن بحث مع الشركاء الأوروبيين والأميركيين لفرض عقوبات على الطغمة السياسية، إذا ما وضع قريباً في التطبيق، فإنه الخطوة الأبرز لدعم مسيرة اللبنانيين الذين خسروا كل شيء ولا بديل عندهم عن متابعة المنحى التشريني، ولم يعد مطلبهم كرتونة إعاشة بل خطوة فاعلة لأن البدائل كارثية ولن تقتصر على اللبنانيين وحدهم!