انه الذعر يجتاح البيوت ويجتاح الأسواق والناس أسرى كوابيس خطرة! سعر صرف الدولار اقترب من رقم 14 ألف ليرة والحد الأدنى للأجور بات دون ال50 دولاراً، وما من مواطن في وضع يمكنه من أن يستوعب إلى أين سيصل مسار الانهيار، وقد لمس أن كل الإحتجاجات الشعبية لم تحرك ساكناً ولو قيد أنملة نهج العصابات الطائفية المتحكمة.
نهبوا البلد أفلسوه وأفقروا شعبه وبات قراره مصادر ومرتهن المصير، ومنظومة الإجرام الناهبة القاتلة تحولت إلى “نسور سياسية تتغذى على جثته”، كما أوردت “الفايننشل تايمز”، التي أضافت: “أصبح المواطنون رهائن لمجموعات طائفية من أمراء الحرب الذين يرتدون بذلات، وحزب الله المدعوم من إيران، الذي أصبح بمثابة دولة فوق الدولة وبيده المفاتيح الرئيسية”!
المشهد على الأرض، لا سيما بعد ظهر أمس كان مخيفاً. كل من لديه القدرة المالية هرع نحو “السوبرماركت” حيث دارت المواجهات على سلع مدعومة يتم تخزينها خصوصاً حليب الأطفال والسكر والحبوب والزيوت، وهي السلع التي باتت تباع في أسواق السويد وتركيا والكويت والكثير من الدول الأفريقية! ونكرر أنه ما من اتهام وجه إلى تاجر واحد من المستوردين للسلع المدعومة، وبالمقابل بدأت الرفوف تفرغ في بيروت، واتسع الهروب في القطاع التجاري نحو الإقفال تلافياً للخسائر الكبيرة والقاتلة والتي حاصرت واقعياً كل القطاعات حتى الصيدليات ومحطات المحروقات. إنها صورة الانهيار الأخلاقي لزمرة الناهبين اللصوص القتلة الذين خلقوا حالة جهنمية ويدفعون البلد الذي يتسارع إنزلاقه نحو الانفجار الكبير!
الانفجار الإجتماعي يقرع الأبواب بقوة ومن الصعب التكهن كيف سيبدأ ومن أين، فالناس في نهاية المطاف لن تقبل أن تموت من الجوع، ولن يكون بمنأى عنه أي شبر من لبنان، ولن تصمد أمامه لا “البيوت – الأبراج” ولا “الغيتوات” ولا “المحميات” ولا “المربعات الأمنية”. هناك تحذيرات وتنبيهات لكن حتى اللحظة يسيطر عجز “منظومة النيترات” عن التوافق على تحاصص حكومة تستنسخ سابقاتها، مهما كانت الأسماء البراقة التي تطلق عليها، يعني “مش رح تشيل الزير من البير”، لكن يمكن أن توجه رسالة بنوايا مثل إتخاذ بعض القرارات التي يمكن لها أن تؤخر الإنفجار!
غير أن التمادي في التعطيل لمزيد من التهديم الذي يحول لبنان إلى مجرد مساحة جغرافية ما زال يقف خلفه حزب الله لأسباب تخدم الأجندة الإيرانية، ويستغل ذلك القصر وفريقه، الذي لا أولوية له إلاّ مكافأة الصهر المعاقب بقانون ماغنيتسكي: البلد ينهار ويتشظى وفوضى الانفجار الكبيرالذي يرتسم في الأفق دفعهم إلى التقدم خطى إضافية على طريق حلم توريث الرئاسة! فيقفز باسيل فوق الجائعين ويخبرهم عن قطارات ومطار! فيما الهزال والتردي والعجز سمات مشتركة بين الأطراف الأخرى في منظومة الفساد!
هنا نفتح مزدوجين كي نشير أن زيارة وفد حزب الله إلى موسكو والنصائح الروسية بأن يضغط على حلفائه لتسهيل مهمة الحريري لن تحقق المرتجى، فبين موقف الحزب الكلامي المسهل وبين الممارسة الواقعية فارق كبير، بدليل أن جريدة “الأخبار” هذا الصباح كانت على موجة أخرى بتبني طروحات عون والقول أن “الحريري ليس رجل المرحلة كما يقول عون بل بات جزءاً من المشكلة ومعرقلاً لأي حل”! وتضيف “أن الدور المرتجى من مجيء الحريري إلى رئاسة الحكومة قد انتفى”، أي أنه بعد كل الفراغ في الحكم وهريان أداء حكومة تصريف العمال، ومضي كل هذه الأشهر على التكليف فإن كل فريق في مربعه الأول!
إنه الاستعصاء والهريان ويستمر تحليق سعر صرف الدولار ليس لأي سبب إقتصادي مقنع، بل يتم الأمر من جهة أولى لإنعدام السيولة، ومن الأخرى بسبب التلاعب على أعلى مستوى بدون أي ضوابط توسلاً لمزيد من الهريان لأن هناك من يرى في ذلك تأبيد للسيطرة الإقليمية. وقد لفتت مصادر مالية إلى أن المتوفر للمضاربة في السوق السوداء أرقام هزيلة لا تتسبب بكل هذا الانهيار لعدم واقعيتها، فإن العرض هو بحدود ال20% والطلب يفوق ال80% وهذه المعادلة تدفع الدولار الوهمي إلى ارتفاع دون سقف!
وبعد ،مرت أمس الذكرى العاشرة للثورة السورية عار المجتمع الدولي والوصمة بجبين كل الطغاة ويصادف اليوم ذكرى اغتيال الزعيم الوطني كمال جنبلاط، وما زالت ترتفع أسوار السجن العربي! لكن الأكيد أن السجون التي كسرت في السودان، سيتم كسرها مع ثورتي تشرين في العراق ولبنان، ومهما طال الزمن آتٍ أوان تفتح ياسمين دمشق الذي مبكراً شدد سمير قصير على محوريته!