روزانا بو منصف – اما وقد تجاوز سعر الدولار الاميركي سقف العشرة الاف ليرة، فانه خرق حاجزا نفسيا كبيرا يخشى معنيون على ضوئه ان يكمل صعودا من دون سقف او رادع بعدما تيقن اهل السلطة من محدودية ردود الفعل على رغم ما يجري في الشارع الذي يظل حتى الان مضبوطا من قواعدهم الى حد كبير او محركا من قبلهم ايضا من اجل تنفيس الاحتقان لدى الناس ليس الا. ومن يغذي التهاب الدولار قد يكون يتحرك على خلفيات متعددة من بينها الضغط من اجل تأليف حكومة او اخضاع الاخرين لشروط تاليف الحكومة في ظل حملات سياسية عنيفة وعشوائية تستخدم فيها الاسلحة غير الحربية الى درجة يستعين هؤلاء بما كان قاله البطريرك بشارة الراعي بانها حرب اهلية من دون حرب فعلية.
ولكن الهاجس الكبير لدى بعض المسؤولين ان يكون ثمة دفع ممنهج ومقصود لانهيار كبير تقوض من خلاله مقومات او مرتكزات مؤسسات ومواقع عدة في البلد بوهم او ربما بامل القدرة لاعادة صياغة البلد على قواعد او اسس مختلفة تماما كما بالنسبة الى اي بناء بات مجوفا واركانه او اسسه مهتزة. عندئذ فان الانهيار يكون محققا وتاليا فالمزيد منه لا يشكل الخوف الاكبر على عكس ما كانت الحال قبل سنة او سنتين حين كان يحذر كثر من الانهيار وكانت تدار الامور على وتيرة لا مبالية تماما كما يحصل راهنا بحيث بات الانهيار امرا واقعا ويتم التدرج فيه صعودا، حتى ولو كان الانهيار هو نزول اي عكس الصعود، وذلك من اجل الوصول الى الغاية المرجوة. ولكن الواقع ان اهل السلطة يلهون اللبنانيين بالمناورات المتصلة بتأليف الحكومة عبر مواقف وبيانات تعلو نبرتها وفجاجتها مع ارتفاع سعر الدولار الاميركي من اجل اخفاء التعطيل ورمي المسؤوليات على الاخرين. “لا حكومة ” ولا امل بتأليف حكومة في المدى المنظور. يجزم مسؤولون بذلك استنادا الى ما اسشفوه من لقاءات ديبلوماسية رفيعة. ولا يتصل ذلك بشد الحبال الاخير بين الافرقاء السياسيين الذين يخاطبون قواعدهم في شكل اساسي ويتنصلون من مسؤولياتهم فحسب بل لوجود جملة اعتبارات قد يختصرها اكثر من طرف بانتظار المفاوضات الايرانية الاميركية قياسا على انتظار الانتخابات الاميركية بداية ثم تسلم الرئيس الاميركي جو بايدن الرئاسة وراهنا انتظار جلوس الجانبين الاميركي والايراني الى طاولة التفاوض. لكن العقدة في سؤالين وفق هؤلاء المسؤولين. السؤال الاول هو هل يريد الخارج فعلا حكومة الان في لبنان ؟ اما السؤال الاخر والذي يكتسب مقدارا اكبر من الاهمية هو هل يريد رئيس الجمهورية #ميشال عون حكومة جديدة ؟
يجيب المسؤولون المعنيون على السؤالين ب” لا ” اكيدة وحاسمة. اذ بالنسبة الى السؤال الثاني فان عون يرغب في ثمن بات معروفا للافراج عن الحكومة ويتعلق بضمان مستقبل رئيس تياره وحجز مقعد مستقبلي له فيما يعي تماما او من يحوط به انه لن يتم التسليم له بما يريد او كما يريد. هو عجز قبل اشهر عن الاطاحة بحاكم المصرف المركزي رياض سلامه والذي تولى رئيس حكومة تصريف الاعمال اعلان مضبطة اتهام في حقه على طريق اطاحته وتعديل بديل يسميه عون ويتيح له التحكم بالمصرف المركزي على نحو يستكمل وضع اليد على كل المؤسسات في البلد تقريبا. وهناك مشكلة في موقع الرئاسة يتم التعبير عنه في موقف للبطريرك الماروني بشارة الراعي برفض المطالبة باسقاط او استقالة رئيس الجمهورية لاعتبارات متعددة ولكن الاجابة عن السؤال تكرارا يستبطن وجود كلام في الكواليس يبحث عن حل ولا يغطي الراعي اللجوء عليه من دون تجاهله فيما ان مجالسه الخاصة تشي بمعرفته بوجود مشكلة في الرئاسة الاولى او من يحوط بها ولكنها مشكلة كبيرة في حد ذاتها.
وبدء حزب “القوات اللبنانية” التلميح بصراحة الى ضرورة ان يستقيل الرئيس عون وليس اسقاطه وان ليس كافيا بالنسبة الى افرقاء كثر يرون وجوب صدور موقف مسيحي جامع في هذا الاطار نظرا للمخاوف من استمرار النزف والانهيارحتى نهاية العهد الحالي، بات يشكل مؤشرا عن التشجع الداخلي والخارجي بدفع اثمان لعون او لصهره بالاحرى من اجل الافراج عن الحكومة على رغم ضرورتها والحاحها.ولا يرغب عون في تقديم تنازلات ويرغب على الاقل في محاولة اثبات انه يمسك بمفتاح اللعبة الداخلية وان تأليف الحكومة لا يزال في يده وعلى من يريدها ان يدفع في مقابل ذلك. من جهته لا يبدو الخارج متحمسا في ظل ما وصل اليه الوضع من انهيار وتردي وعدم الاستفادة من الاتي من التطورات من اجل فرض تغيير فعلي بدلا من الترقيع في الدفع او الضغط من اجل تأليف حكومة من المرجح الا تستطيع القيام بالشيء الكثير على خلفية الكباش المتصل باستحقاقي رئاسة الجمهورية المقبلة كما بالانتخابات النيابية ايضا. ليس الخارج مستعجلا على غير ما يعلن ولا يريد تقديم اي تنازلات راهنا في مرحلة تغيير كبيرة في المنطقة وفي توقيت متاح لتغيير المشهد في لبنان. فمع ما يجري من تطورات في المنطقة واعادة رسم قواعد نفوذ وترتيبات سياسية جديدة يصعب الاعتقاد بان لبنان يمكن ان يبقى خارجا او يبقيه بعض اهل السلطة خارجا من خلال الامساك باوراق يعتقدون انها تقوي مواقعهم وتقوي حظوظهم بالحصول على حصة كبيرة لا بل اساسية في ما يجري من ترتيبات او على الاقل تحديد الخسائر في اسوأ الاحوال.
المشكلة انه وفي ظل وهم او زعم القدرة على ادارة الفوضى المنضبطة وقيادتها فان الحسابات قد لا تنطبق دوما على حساب البيدر. فالشعب اللبناني لم يقم فعلا بثورة على رغم انتفاضته في 17 تشرين الاول التي تفككت وسيست وتم تجويفها.وهناك اسباب للاعتقاد انه لن يفعل مهما اصيب او سيصاب به على امل ان يخسر المرهنون على ذلك.
المصدر: النهار