هذا الصباح خاطبت تيما رضا والدها حسيب الذي “يكمل 39 سنة تحت التراب بسبب إجرامكم” لتبلغه أنه “لاتزال تُعتمد نفس الأساليب في إسكات من لا ينصاع”، وروت كيف وُصِم تاريخ لقمان سليم بالتهم “لتصبح تصفيته أسهل وأكثر تقبلاً. هو وجه معروف ليس مثلك، ولكنه قتل غدراً تماماً كما غدروا بك”!
الصديقة رشا التي أصيبت بجرح غائر لن يندمل وهي التي تعتبر شقيقها لقمان المعلم والصديق قالت أنها “لا تتهم أحداً في الإغتيال لكن القاتل معروف. وهو الذي لديه السيطرة على المنطقة التي قتل فيها لقمان” وأضافت “إن من هدده ضالع بقتله”، مضيفة “هذه بصمتهم أن يرحل الجميع ولا يبقى سوى القتلة”، ولفتت أن القوى الأمنية “تكاسلت في الاستجابة لشكاوى التهديد وتقاعست عن حمايته”! عن حماية لقمان المتواضع والمباشر والصريح والشجاع دوما والحر في كل الأوقات، والذي أقرن الثقافة والفكر بالعمل السياسي اليومي، وأكثر ما عرفه الناس مدافعاً عن الأمل باستعادة الدولة، امل استعاده الناس مع ثورة تشرين!
رغم ذلك وفوق ذلك، خبرنا أذكياء العصر في “الأخبار” أنها “لحظة تستدعي الأسئلة الكبيرة لناحية التوقيت والمكان والطريقة”، وأن التحقيقات الأولية لم تظهر أي تفاصيل، والنصيحة انتظروا التحقيق، ومن عندي ستبدأ “الأخبار” في وقت قريب جداً تسريب المحاضر عن التحقيق وخيوطه المتشابكة كما دوما..فيما كانت مقالة تلك الجريدة: ” لقمان سليم “هيا بنا”..إلى تل أبيب” ( تاريخ 14 أيلول 2012) بين أيدي القراء!
وبعيداً عن التذاكي والتحذلق في مواقف الممانعين الآخرين، وبالأخص منهم “اليساريين”، كتلك البيانات التي صدرت باسم الحزب الشيوعي وفروعه إلى “حركة مواطنون ومواطنات في دولة” وصولاً إلى بيان حزب الله، بدت كلها بدت مواقف روتينية لزوم اليوميات السياسة ولا تنفي المؤكد. لقمان سليم صوب على من يستهدفه منذ 13 كانون أول 2019 يوم أنهى بيانه الشهير بتعبير “اللهم إني بلغت” فقد كان يعرف قاتله الذي تابعه وترصد حركته ولاحقه كظله ووصمه بكل التهم وحاصر دارته وخوّنه، ولحظة الجريمة تباهى جمهوره الوفي! وكم بدا دقيقاً ما أورده عماد قميجة الذي كتب عن حزب الله: “يسأل حاله: ليش صار محط اتهام؟ وليش عند حصول أي فعل إجرامي(إغتيال ، تفجير، تهريب، مخدرات ..) أصابع الاتهام توجه إليه ببساطة”؟
وبعد، شكل إغتيال لقمان سليم محطة نوعية، إنها الجريمة التي استهدفت حذف الخصم نهائياً، وهنا هو الخصم حامل الرأي الآخر والمدافع عن التعددية! وتوجت منحى ممارس على الأرض يومياً إثر انطلاقة ثورة 17 تشرين، التي خوّنت واتهمت وجرت محاولات محاصرتها وتعرض الناشطون لللإعتداءات المتكررة إلى أن بدأ الإغراق بفرقٍ إجرامٍ جوالة للتخريب والإساءة إلى الثورة والأحداث من بيروت إلى طرابلس هي الدليل. ومعها انفلت القمع البوليسي تزامنا مع إطلاق تهديد اللبنانيين بالحرب الأهلية: الرصاص المطاطي على الرأس والصدر لأكثر من الأذية( راجعو بيان لجنة العفو الدولية التي طالبت فرنسا بحجب الأسلحة والذخائر عن الدولة اللبنانية)، إلى الرصاص الحي الذي أسقط الضحايا الذين أصيبوا في الظهر..إنها غرفة عمليات واحدة قررت القتل الذي يستهدف كل ما يمت إلى الأمل الذي أحيته الثورة!
تحمل محطة إغتيال لقمان سليم إشارة بالإصبع: إما أن ترضخوا وإلاّ لا تنتظروا إلاّ المستقبل الأسود، لذلك كل المقارنات مع الكثير من الإغتيالات الكبرى التي جرت تفتقر لبعض الجوانب لأنها تهديد للمستقبل المختلف الذي حملت بشائره ثورة تشرين. هناك من يريد تعميم الجهل والظلام والخواء الفكري. هنا نفتح مزدوجين كي تتم الإشارة إلى أن لقمان سليم الناشط السياسي الصلب في المطالبة باستعادة الدولة المخطوفة ورفضه القاطع تغول الدويلة، لا يمكن انتقاص تفانيه، في قضايا من نوع تجميع وإحياء ملفات المفقودين والمغيبين قسراً، فكل ما قام به هدف إلى توثيق ذاكرة أرادها أن تستمر حية أبداً، كي لا تذهب إلى النسيان بضغط من قوى ظلامية، لا تكل عن محاولات شد البلد إلى القعر، وبهذا المعنى الجريمة سياسية وفكرية، وهي تحمل استهدافاً لكل ما حملته الثورة من تجاوز للإنقسامات الطائفية والمناطقية.
وبعد، كثر بيننا لا ينتظرون التحقيق، وهم يدركون أن مصيره لن يكون أفضل من أي تحقيق قيّد ضد مجهول. دوماً المرتكب يعرف أنه لن يلاحق، وأن كل القدرات متوفرة للتلاعب بالأدلة وإحباط الحقائق الدامغة بالتضليل، واليوم الهدف هو تكراراً محاولة قتل الأمل، لذلك والمواطن يقول عن حق أنه بعد 6 أشهر على التفجير الهيولي في المرفأ الذي أتى على نص بيروت أين النتيجة؟
لن ننسى ولن نسامح وسنلاحقهم وسنحملهم المسؤولية عن كل نقطة دم، وسنواصل رفع الصوت مطالبين بالاستعانة بتحقيق دولي، أقله لأنهم قيدوا القضاء عندنا وصادروا استقلاليته..لكن المطلوب واحد وهو كيف يمكن أن تسد الفجوة بين المتسلطين المتكئين على قدرات السلطة والسلاح المرتبط بالخارج وبين الأكثرية الشعبية؟ يعني لو قُيّض للبلد بعد ثورة تشرين، تسريع خطوات بلورة تنظيمات سياسية والدفع إلى إقامة جبهة استقلالية معارضة تجمع الممكن من النسيج الذي ظهّرته ثورة تشرين، هل كان ممكناً لكل قوى المنهبة والإجرام، ميليشيات السلاح والمال، المضي في هذا النهج دون حسيب أو رقيب؟
وداعاً لقمان.. الصوت، صوتك، لن يغيب.