حنا صالح – الثانية عشرة بتوقيت واشنطن، السادسة مساء بتوقيت بيروت، تبدأ الفترة الرئاسية الجديدة في أميركا مع دخول جو بايدن الرئيس ال46 لأميركا إلى البيت الأبيض. الحدث كل أربع سنوات يتم في موعده الدستوري لا يتقدم دقيقة ولا يتأخر دقيقة. حفل التنصيب سرق الاهتمام لأنه للمرة الأولى في تاريخ أميركا تحولت العاصمة واشنطن إلى ثكنة عسكرية تعج بنحو 25 ألف جندي وألوف العملاء من رجال الاستخبارات. الف شخص فقط سيحضرون الحفل فيما كانت أعداد المدعوين في مثل هذه المناسبة نحو 200 ألف!
لكن بعيداً عن كل ذلك، أظهرت الفترة الفاصلة بين الانتخابات الرئاسية وتسلم بايدن أن هناك مرجعية فوق الجميع. إنها مرجعية الدستور الأميركي له الكلمة النهائية. لكن قبل حفل التنصيب وبعده باقٍ ظل الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب، من جهة مع دعم شعبي يلامس 80% من ناخبي الحزب الجمهوري، ومع جهة أخرى مع ما بدا أنه استمرار في الكثير من جوانب سياسته الخارجية.
“أميركا قائدة للعالم مرة أخرى” هو شعار بايدن، لكن الطريق إلى ذلك تمر بداية في أمرين في الداخل الأميركي: الأول يكمن في السياسة التي ستتبع لإعادة توحيد الأمة الأميركية التي انشطرت إلى نصفين. والأمر الثاني التغلب على “كوفيد-19” وليس الأمر سهلاً. عدة قرارات تنفيذية بالغة الأهمية سيصدرها الرئيس الجديد على الفور، لكن ما يهم منطقتنا هو سياساته حيال بلداننا.
معالم السياسة الأميركية حيال الشرق الأوسط تبدو على الأغلب استمرارية للسياسة التي اتبعتها إدارة ترمب، مع بعض المخمل يغلف هراوة العقوبات. ويمكن رؤية ذلك في الكلمات التي القيت أمام لجان مجلس الشيوخ التي تناقش تثبيت المرشحين للمناصب الكبيرة في الادارة مثل وزير الخارجية بلينكن ووزير الدفاع ورئيسة الاستخبارات، فلقد تضمنت الكلمات التأكيد أن إيران دولة عدوة مسؤولة عن زعزعة الاستقرار في المنطقة كما قال وزير الدفاع، والعودة إلى الاتفاق النووي أمر بعيد كما قالت مسؤولة الاستخبارات، والاتفاق سيكون مختلفاً لأنه ينبغي أن يشمل الصواريخ البالستية ودور إيران في المنطقة كما قال وزير الخارجية الذي أضاف أن أي اتفاق يجب أن تشترك به إسرائيل ودول الخليج.
لن يتبدل الكثير في الإقليم، ستكون الفترة الآتية إنتقالية صعبة سيؤثر فيها حجم المتغييرات في الإقليم. لم تعد المنطقة شبيهة بما كانت عليه قبل العام 2015 عام توقيع الاتفاق النووي، فليس أمراً بسيطاً التراجع النوعي في دور “الإخوان المسلمين” وما تناسل من عباءتهم من حركات تطرف، والارتباط الوثيق بين هذه المنظمات المتطرفة وحكام طهران تحت المجهر، وستبقى إسرائيل الطرف المدلل لا سيما بعد اتفاقات السلام مع دولٍ عربية، وسيزداد الاهتمام الأميركي بدور تل أبيب بعد الانتخابات في أذار حيث من الصعب عودة نتنياهو إلى رئاسة الوزراء. لكن أبرز الأمور يتمثل في القرار الذي اتخذه بايدن بإعادة تسمية السفير بيرت ماغورك في مركز الموفد الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو الذي استقال من منصبه في العام 2019 احتجاجاً على سياسات ترمب وبالأخص قرار الانسحاب من المنطقة. ماغورك المتشدد ضد الدور الإيراني وأذرعها العسكرية، والمتشدد ضد بقاء بشار الأسد في السلطة، والمتشدد ضد السياسات التي يمارسها اردوغان في المنطقة وداخل تركيا والمتصادم مع طروحات موسكو وحجم دورها يرسل قرار عودته أكثر من سؤال، لأنه سيكون شريكا بصنع السياسات الأميركية حيال المنطقة، والأهم في آليات التنفيذ.
وتبقى أميركا هي أميركا، مع بعض التحفظ القوة المطلقة في العالم حتى إشعار آخر. ونعود إلى اليوميات اللبنانية مع منظومة القتل التي لا همّ حقيقياً لها إلاّ حجم المحاصصة وتناتش المناصب والبلد “تايتنك” يغرق ويفرق مع قتل 61 لبناني أمس بالوباء وإصابة 4359 مع نسبة تتجاوز ال20% أي أن نسبة الخطر كبيرة جداً! ونجدد الإشارة أنه حتى تاريخه لا يمكن ترصد حجم الإصابات لأن الفحوصات لم تصل إلى المناطق الشعبية المكتظة حيث لا ٌدرة مادية للمواطن على إجراء الفحص. وهذا الأمر من شأنه أن يرتب الكثير من المآسي، خصوصاً وان الناس تموت على أبواب المستشفيات التي تمتنع عن استقبال المصابين! نعم تظّهر المشهد على حقيقته، فقطاع الاستشفاء الخاص مع 127 مستشفى لم يقدم إلاّ 1300 سرير من أصل نحو 13 ألف سرير، ولم يقدم إلاّ 600 سرير عناية فائقة من أصل 1800 سرير! ويواصل كارتل المستشفيات نهج الابتزاز ووصد الأبواب بوجه المصابين! سياسته نسخة منقحة عن نهج كارتل تجار الدواء وكارتل المصارف وكارتل التهريب المستمر، والكل ينهل من ممارسات ونهج منظومة الفساد المتحكمة التي ارتهنت البلد للخارج ولا هم لأطرافها إلاّ حجم الحصص في جنة الحكم!
ولأن الانهيارات الناجمة عن نهب البلد وإفقار أهله وتجويعهم وتعريضهم للمذلة كل يوم، بدأت علانية ممارسات الكنتنة بوهم أن ليترات من المازوت أو حبات دواء، ستغطي كل ما كان ومستمر، من ممارسة حرمت المواطن من الحصول على حقوقه كاملة! توزيع المازوت المدعوم من جيوب الناس على أسر في البقاع، والبقاع الشمالي خصوصاً، كما خطوة القوات وغيرها من الأطراف توزيع أدوية، هي ممارسة استفزاز وتحدٍ للناس، تحدٍ للغالبية العظمى من الناس، وهي عودة إلى الممارسة الزبائنية ليس إلاّ، لاستدرار عطف وشعبية! لقد كان على هذه القوى أن تقوم بدورها داخل السلطة، وفي موقع القرار حيث هي، لو كانت فعلاً حريصة على إعلاء شأن المواطنين وحماية حقوقهم! كان عليهم منع التهريب وفرض القانون على المستشفيات والإتجار بحبة الدواء والرغيف.. والخروج من هذه الممارسات التي تعيد إلى الأذهان بعض ما كان زمن الحرب الأهلية ضد اللبنانيين!