حنا صالح – تعالوا نجري معاً تمريناً ذهنياً. ودعونا لا نبتعد كثيراً في الماضي، فبعض الأحداث التي تتالى وقوعها لافتة ومعبرة، ودوماً قد يكون التوقيت بأهمية المضمون وربما في بعض المرات يفوقه أهمية! كي لا نبتعد عن مسألة التوقيت، لافت المدى الذي بلغه لبنان على سلم الفشل والانهيار المتعدد الأوجه. الأرقام اللبنانية قياسية مع قفز التضخم في لبنان إلى 365% وحلوله في المرتبة الثانية بتجاوز زيمبابوي والمضي في ملاحقة فينزويلا، ونسبتها 2133% البلد الأول على قمة التضخم وهو وجه آخر للفشل والفساد، لكن في هذا العهد “القوي” جداً ومع هذه المنظومة الناهبة الفاسدة ستستمر هذه الانجازات!
ولندخل في الموضوع. في خطبة الاستقلال انبرى الخطيب في تشريح جوانب من المآساة التي تسببت بها المنظومة التي يقف على رأسها، وحتى يكون الأمر دقيقاً جانب الانعكاسات المدمرة على حياة الناس، وهو أمام انسداد أبواب التأليف وفق ما تبتغيه رياح القصر لخدمة الصهر والتيار، وهنا فصّل وبرر واشتكى، وأمام الصفعة التي وجهتها شركة “الفاريز ومارسال” بإعلان خروجها من حكاية التدقيق الجنائي، رفع الصوت وأطلق التعهد، وهو عليم أن الصفعة تشمل الحكم والحكومة وكل المافيا المتسلطة، فكان الاقتراح الوحيد الدعوة لحوار “وطني”! كم يعشق الرئيس الأزلي لمجلس النواب مثل هذه الدعوات فعمم من خلال أوساطه عن سعادته.. لنلاحظ التوقيت معطوفاً على الظرف العام!
قبل فترة وأمام احتجاز التأليف، من جهة كنتيجة تناحر أطراف المنظومة على الحصص في حكومة سيكون دورها أبعد من البقاء حتى نهاية الولاية، ومن جهة ثانية ارتباطاً برغبات خارجية ليست خافية، وجد الرئيس نبيه بري الوقت مناسباً لإخراج أرنب جديد من كمه: الدعوة المبتذلة إلى البحث في قانون جديد للانتخابات واعتماد لبنان دائرة واحدة. ساحر البرلمان، وهو الأكثر معرفة وربما ذكاء بين أقرانه، والذي يعرف كيف يحافظ على مكاسب “منحته” إياها الحرب الأهلية على الناس والبل، يدفع بعنوان تغيير النظام، وينقل النقاش..وتصبح الدعوة أولوية بين أيدي اللجان النيابية المشتركة. ما في كهرباء، والاحتكار وضع يده على الدواء، والبطالة تأكل الأخضر واليابس ..ولبنان يهزم زيمبابوي، هذه أمور ليست أولوية! هو ومن يتوجه إليهم يصح فيهم قول البطريرك: وضعوا يدهم على أموال الدولة وأمنوا أموالهم في الخارج ولا يعرفون كثيراً عن الجوع!
وقبل ذلك كانت الفيديوهات القليلة التي خرجت من عين قانا تنقل أحاديث من نوع أن التفجير كأنه المرفأ رقم 2! وكان القلق ينتشر والذهول مطبق والناس تسأل أين بقية مستودعات الموت. في هذا التوقيت، في تلك الليلة، أطل سعد الحريري بتلك “المبادرة” ليعلن التبرع بحقيبة المال للثنائي حزب الله وأمل!! بعيداً عن الوزارة للبلد وليست جزءاً من الورتة، نقل دولته النقاش إلى مكان آخر.. ع فكرة لم تتمكن الدولة من الدخول إلى عين قانا ولا شيء رسمياً عن التفجير الخطير الذي حدث يومها وطويت الصفحة.
هناك إجماع على تعمق الانسداد الحكومي، وعلى تفاقم الصراعات داخل منظومة الفساد من جهة، وبين هذه المنظومة والخارج من جهة ثانية، ومن العناوين البارزة أن استمرا سياسة خطف الدولة وارتهانها للدويلة وإبقاء لبنان بأرضه وشعبه ورقة في ملف التفاوض المرتقب بين طهران وواشنطن عندما يحين الأوان أميركياً، سيبقي البلد معزولاً وسيتفاقم الانهيار على كل الصعد وكما قال الموفد الرئاسي الفرنسي قبل أيام أنه مع هذا النهج قد لا يجد لبنان من يمنحه كيس طحين..
في هذا التوقيت أعلنت المبادرة من قصر العدل وحملت عنواناً لافتاً جداً:”معاً نسترد الدولة”، فبدت بالتوقيت وكأن أبرز المهام التغطية على صراعات المفتوحة بين جهات متحكمة بدأت تنتف بعضها والمنظومة تتصدع، فلماذا اختيار هذا التوقيت؟ وصراحة الناس وخصوصاً بعد ثورة تشرين، ليسوا من السذاجة كي تصرفهم عبارات مدبجة ولقاء موسع تجاوز النوع، وقد لا يكون تجاوز المضمون، عنيت تلك الصورة التي اشتهرت بها جمعية “فرح العطاء” التي كانت تحيي مناسبة الاستقلال على درج المتحف فيتجاور شيخ درزي مع قسٍ إنجيلي ومعمم شيعي إلى آخر التركيبة!
أما المضمون فله بعد آخر. كان يقال زمن رفيق الحريري أنه موكل ورشة الاعمار والنهوض إلى آخر المعزوفة، فيما سواه وهو الخارج المحتل معني بالسياسة والأمن. وكلما تأزم المشهد كان جنبلاط يردد معزوفة من نوع علينا أن نختار بين أن نكون هونغ كونغ أو هانوي، وتستمر الأمور فساد يغطي فساداً وصولاً لأيامنا هذه..واليوم يحار المتابع كيف نسترد الدولة ومشكلة البلد منذ العام 1969 من اتفاق القاهرة تكمن في التخلي عن السيادة وتداعيات ذلك.
يعني أي دولة بالامكان استردادها والدويلة في انطلاقتها والأمور أمامها على الغارب! يعني عصي عن الفهم استرداد الدولة والتعامي عن الدويلة! وألا يمكن اعتبار هذه المبادرة تغطية لهذا الوضع، وبالتأكيد الأمر لا يتعلق بالنوايا الإيجابية لبعض من يقف خلف المبادرة هذه! مع أنه في كثير من الأحيان درب الجحيم ( أوصلنا إليه الحكم القوي) مفروشة بالنوايا الحسنة. كما أنه لا شك أن مضمون المبادرة، التي لا يتوقع لها المستقبل الزاهر، يستحق بعض التمرين الذهني، وبالأساس البحث عن صلة رحم ما مع الطروحات الانتخابية التي قدمها الاستاذ نبيه بري!
مرة أخرى المسألة موازين قوى على الأرض، ومرة أخرى الأمل الوحيد لاسترداد الدولة المخطوفة بالفساد والسلاح هو ميزان قوى يعكس طاقات الناس وقدراتها وهي حتى اللحظة ليست في موقع الفعل وبعض التواقيع على تلك المبادرة ممن يسمون مجموعات لا يقدم الكثير فاجترار الظاهرة لا يعني مطلقاً أنها بصحة جيدة. لقد جاءت الثورة بفيض من قيم النزاهة والمواطنة وسيادة القانون وبهواء نقي سينهي كل هذا التلوث وزمن الثورة مهما تأخر جايي.