1. Home
  2. لبنان
  3. مات النظام الطائفي. عاش تحالف مافيا ــ ميليشيا
مات النظام الطائفي. عاش تحالف مافيا ــ ميليشيا

مات النظام الطائفي. عاش تحالف مافيا ــ ميليشيا

77
0

الدكتور صالح المشنوق – بينما ينهار لبنان، كياناً ودولة واقتصاداً، تزدهر نظريّات تقول إنّ السبب الرئيسي للمصيبة التي حلّت بنا هي “النظام الطائفي”، وإنّ الحلّ السحري يكون بإسقاط هذا النظام. البديل هو نظام مدني. نظام علماني. نظام لا طائفي. تسميات كثيرة بمعانٍ قليلة. يُجمع عليها عتاة اليسار القديم المتحجّر فكرياً، والليبراليون الجدد أسرى منظومة قيمهم الشخصية، وأحزاب “الشيعية السياسية” الساعية إلى ترجمة موضوعية لقوّة السلاح بصلاحيات دستورية إضافية. كما انضمّ إليهم أخيراً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي فشل في فرض مبادرة بسيطة تقضي بتعيين وزراء من خارج المحاصصة الحزبية، فلجأ إلى “الكليشيه” التقليدي القائل بضرورة تغيير النظام.  كلّ هذه الطروحات، من وجهة نظر علميّة مطّلعة على خصائص الدول التعددية وأنظمتها التشاركية، دليل إمّا على سذاجة أو على سوء نيّة القائلين بها. فالقول إنّ الأزمة هي نتاج “النظام”، وإنّ تغيير هذا النظام كفيل بمعالجتها، يحتاج إلى أدلّة قاطعة تثبت وقائع ثلاث: الأولى هي أن هناك نظاماً تشاركياً يتّم تطبيقه وفق نصّه وروحه. الثانية هي أن هذا التطبيق هو الذي يؤدّي بشكل مباشر إلى الأزمات المتلاحقة. والثالثة هي أنّ نظاماً بديلاً محدّدةً معالمه كفيل بإخراج لبنان نهائياً من الأزمة. لا أدلّة جديّة – خارج الشكوى القيمية والمبدئية من تخلّف مبدأ الانتماء الطائفي – على أيّ من هذه المقترحات الثلاث.  الواقع أنّ لا “نظام” في لبنان لنسقطه أصلاً لأنّ أيّ نظام سياسي هو عبارة عن مجموعة من الآليّات والصلاحيات والمبادئ المّتفق عليها وطنياً والمُقَرّة دستورياً.

ما يحكم لبنان هو تحالف المافيا والميليشيا (ميم-ميم) الذي يقوم على المعادلة التالية: تؤّمن المافيا الغطاء السياسي لميليشيا “حزب الله” في مغامراتها العسكريّة المخالفة للدستور والممتدّة من لبنان إلى أميركا اللاتينيّة، مرورا بالخليج العربي وإفريقيا. في المقابل تؤمّن الميليشيا الحماية المسلّحة لمنظومة المحاصصة والفساد، مانعة أيّ تغيير سياسي كالذي سعت إليه “ثورة ١٧ تشرين”.

في هذه المعادلة، الدستور تفصيل يتّم التلاعب به وفق أهواء ومصالح معادلة “ميم-ميم” التي تتبدّل هي الأخرى حسب الظرف السياسي.  هل الدستور يتحدث عن حكومات وحدة وطنية على النموذج السويسري؟ (المقرّ عرفاً وفق “المعادلة السحريّة”) أو بحكومات أكثريّة وأقلية برلمانية على نموذج “وستمنستر” البريطاني؟ إذا افترضنا حكومات وحدة، هل تحصل الأقليّة البرلمانية على الثلث المعطّل، أم تُمثّل وفق حجمها أم تحصل على تمثيل رمزي؟ هل انتخاب رئيس الجمهوريّة يتطلّب توافقاً بثلثي مجلس النوّاب، أو أن النصف زائد واحد من عدد النواب كافٍ لذلك؟ هل على الوزراء أن يكونوا “ممثلين أصليين” لطوائفهم، أم أنّ بإمكان الأحزاب تعيين وزراء من الطوائف كافة؟

في أي دولة طبيعيّة (منها التشاركيّة) هذه المسائل أمّا محسومة دستورياً أو أن المشرّعين يلجأون إلى المجلس الدستوري لاتّخاذ القرار النهائي بشأنها. في لبنان قرّرت النسخة الأصلية للميليشيا (النظام السوري)، خلافا لاتّفاق الطائف، أن النواب هم الجهة التي تفسّر الدستور (ظاهرة فريدة من نوعها في العالم) لأنه استصعب فكرة التحكّم بالقضاة، على عكس السياسيين اللبنانيين طبعاً. إذاً النظام الحاكم ليس الدستور، بل تحالف “مافيا-ميليشيا”، مع افضليّة مطلقة للميليشيا: حكومات وحدة عندما يخسر “حزب الله” الانتخابات، حكومات أكثرية عندما يتحكّم بأغلبية البرلمان. رئيس الوزراء لا يمثّل طائفته عندما يختاره الحزب، بينما رئيس مجلس النواب عليه أن يخرج من رحم بيئته. رئيس الجمهوريّة عليه أن يكون “الأقوى مسيحياً”، إلا عندما يكون هذا الأقوى خصماً للحزب.

اللائحة تطول ورئيس المجلس الدستوري الدائم هو حسن نصر الله. ومنذ العام ٢٠٠٥ ثمانية أعوام من الفراغ الدستوري في مختلف المؤسسات. هذا هو “النظام” الذي يجب أن يسقط. 

ليست كل دساتير الدول التشاركيّة خالية من الأزمات السياسية والوجودية. في شمال إيرلندا، يقول النص الدستوري إنّ رئيس الحكومة ونائبه (هما عمليّاً متساويان في الصلاحيات) عليهما أن يكونا الأكثر تمثيلاً لطائفتهما (بروتستانت وكاثوليك) في مجلس النواب. ويقول الدستور أيضاً إن استقالة أيّ من الرئيسيين يؤدي حكماً إلى اسقاط الحكومة. ما يعني في الممارسة أنّ تشكيل الحكومة هو رهن اتّفاق الحزب الأكبر لدى الكاثوليك مع الأكبر لدى البروتستانت على برنامج الحكومة. تسبّب الخلاف بين حزب “شين فين” الجمهوري الموالي لإيرلندا والحزب الوحدوي الديمقراطي التابع لبريطانيا على الاستعمال الرسمي للغة الإيرلندية (التي لا تستعمل في إيرلندا حتّى) بتعطيل تشكيل الحكومة لأكثر من ألف يوم، كاسراً بذلك الرقم القياسي العالمي. نادى الاصلاحيون بتعديلٍ دستوريّ يسمح بانتخاب غير ممثلي الحزبين الأقوى لرئاسة الحكومة، وهو حلّ منطقيّ يسمح بفتح ثغرة في “أزمة النظام” التي تعاني منها شمال ايرلندا.  في لبنان الدستور يفترض موافقة رئيس الجمهوريّة على التشكيلة الحكومية التي يعرضها رئيس الحكومة المكلّف، لكن روحيّة النص لا تعطي رئيس الجمهورية حقّ رفض التشكيلة إلاّ على قاعدة مبدئية تخصّ تطبيق الدستور ومصلحة البلاد العليا.   يتصرّف منظّرو “اسقاط النظام الطائفي” وكأن الأنظمة التشاركية في العالم عبارة عن نموذج مُعلّب، يقابلها أنظمة غير طائفيّة تتشابه هي الأخرى. الواقع هو أن التشاركيّة السياسية هي مسألة درجات، وليست مسألة مبدأ. كما أنّها عبارة عن آليات معقّدة تختلف جذرياً بين دولة وأخرى. تتراوح هذه الدرجات بين أنظمة تشاركية تسّمى “أرثوذكسية” كنظام الحكم في البوسنة، الذي يجمع بين فدراليّة إثنيّة للصرب من جهة، ونظام مركزي يحفظ حقوق الطوائف عبر انتخاب نوّاب كلّ طائفة لممثليهم في مجلس الشعب.

وبين أنظمة تشاركية تسمّى “ليبراليّة” مثل النظام في شمال ايرلندا الذي يسمح لكل مجموعات البرلمان بالتمثيل الحكومي وفقاً لعدد نوّابها بغضّ النظر عن حسابات الطوائف (ما يعني أن الحزب المدني المسمى “التحالف” يمثّل عادة بوزير). ما بين هذه وتلك عشرات الدول التي تعتبر تشاركية، ومنها الدولتان اللتان يحلم اللبنانيون بالهجرة إليهما وفق استطلاع أقامه الباحث الألماني ثيودور هانف: كندا وسويسرا.   كندا هي اوّل دولة تشاركيّة في العالم (عام ١٨٤٢، قبل سويسرا بستة سنوات)، وكان لها طوال عقود رئيسان للحكومة، واحد من أصول بريطانية والثاني من أصول فرنسيّة (حكومة لافونتين – بالدوين مثلاً). مع تقلّص عدد الفرنسيين ديموغرافياً، استُبدلت التشاركية الكاملة بنظام فدرالي (أعوذ بالله من الفدرالية!) يسمح لمحافظة كيبك ذات الأغلبية الفرنسية بالحكم الذاتي. أُعطيت المحافظة صلاحيات واسعة – استعملتها أحيانا بطرق غريبة كمنع المحال التجارية من تعليق لافتات باللغة الانكليزية – ومع ذلك، حاول الحزب الانفصالي في كيبك إجراء استفتاء لإعلانها دولة مستقلة مرّتين، في عامي ١٩٨٠ و١٩٩٥، ولكنّة فشل. يقول المؤرخ فرانك أندرهيل، إن أبرز اختراع كندي لم يكن يوماً بناء نظامٍ غير طائفيّ – فالتوزيع الطائفي ما زال قائما في كل مراكز الدولة الأساسيّة – بل بناء أحزاب عابرة للطوائف.

الحزب الليبرالي الحاكم اليوم يرأسه شخص من أصول فرنسية (مع انّهم اقليّة من ٢٣٪ فقط) وهو لا يقوم بتصريح حتّى على مواقع التواصل إلاّ ويترجمه مباشرة إلى الانكليزية.  في سويسرا، الطائفية موجودة في كلّ مواقع الدولة، حتّى في اتّحاد كرة القدم الذي يحظى برئاسة ثلاثيّة (المانية، فرنسية، إيطاليّة)، لكنّ هؤلاء لا يختارهم زعماء الطوائف في سويسرا، بل يتّم اختيار الأفضل من كلّ طائفة، وبذالك تضمن سويسرا المشاركة والتعايش ولا تستغني عن الكفاءة.  لماذا هذه الأمثلة كلها؟ للقول إنّه إذا اجتمع الخبراء الدستوريين في العالم كله (ومعهم جهابذة إسقاط النظام الطائفي!)، واستوحوا من كلّ هذه التجارب، وأقرّوا التعديلات الدستوريّة اللازمة، فإن واقع الأزمة في لبنان لن يتقدّم قيد انملة. لبنان ليس محكوماً بنظام دستوري أصلاً حتى يتم تعديله أو تطويره. وكذلك للقول إنّ دستور لبنان يضمن تحقيق معظم المطالب التقدّميّة والليبراليّة، من مجلس نواب غير طائفي إلى تعيينات للموظّفين من خارج القيد الطائفي، وإن الممارسة أكثر طائفيّة بألف مرّة من النص. ولكن ما نفع كلّ ذالك مع ميليشيا عابرة للقارات تريد فرض وزراء طائفتها على حكومة تكنوقراط وتدعمها مافيا تصرّ على المناصفة في حرّاس الأحراش؟  إن كان لا بد أن نُسقط شيئاً، فلنُسقط معادلة “ميم-ميم”.

المصدر: النهار


tags: