حنا صالح – أبداً لم يخطيء الوزير طارق المجذوب عندما تحدث عن زمن “الأقوال لا الأفعال”. أبداً لم تكن ذلة لسان، فمن نكب الدهر أن يكون القرار اللبناني معقود رسميا إلى حكومة من الدمى لا يصح فيها إلاّ أنها حكومة “الأقوال لا الأفعال”، لا يستطيع رئيسها الابتعاد ولو لحظة عن سحر الميكروفون، فبات يلقي خطاباً بين الخطاب والخطاب! والأنكى أن البراعة الخطابية معطوفة على تشكيل اللجان التي تتفرع عنها لجان، إنما تتزامن مع زمن الانهيار والافقار والمجاعة والوباء، وفوق كل ذلك “قيصر” وما ادراك ما هو هذا القانون الأميركي الذي لا رد له!
يقول البروفيسور، أن الزعران استباحوا البلد والدولة تتفرج؟ ويضيف لا فض فوه، “يجب أن يكون هناك قرار حاسم وحازم بالتصدي لهذه الحالة التي تتزايد”، ويشرح “أن ما جرى هو من فعل فاعل” ويوضح “ما من جريمة بدون مجرم”، لكن لما كل هذا الشرح وما من جهة تحركت والقت القبض على مرتكب واحد! وكي لاتنسى أيها المواطن الذي يسكنك القلق والخوف مما هو آتٍ، فالمتحدث الذي قال “يجب” هو بالمناسبة رئيس السلطة التنفيذية، والاستباحة جرت تحت برج السراي الذي بات دارة دولته، ولا بد أن أصوات التكسير قد بلغت مسامعه، ودخان الحرائق لفح السراي والدارة المريحة..
هل كانت المشاغل الهامة هي التي منعت المتابعة الفورية فساد الحياد الأمني تلك الليلة لوقتٍ غير قصير. هنا نفتح مزدوجين للإشارة أن لا مشكلة أبداً في كفاءة وقدرات الأجهزة العسكرية التي فككت عشرات الخلايا الارهابية، وقامت بكثير من المهام الصعبة والمعقدة. المشكلة في مكان آخر، إنها في السلطة، في الحكومة – الواجهة التي تلتزم رؤية من شكلها ويتولى تشغيلها. لكن مع هذا المنحى بات البلد أمام وضعٍ خطير لأن النهج المتبع فيه تنازل سياسي عن حماية الناس والممتلكات وهذه أولى أولويات السلطة في أي بلد وفي أي زمان! غير أن الدولة ليست غافلة عن كل شيء، فقد أعلنت الحرب على من ينتقد من أوصله إلى هذا البؤس، وبعد اليوم هناك أولوية في ملاحقة المقهورين الغاضبين أما المرتكبين من منفذي الاعتداءات فهم “فعل فاعل”!
ثلاثة خطب في يوم واحد، ليس بكثير، لم تتطرق إلى أي أمر يقلق الناس. مثلاً عودة ظاهرة “الأمن الذاتي” وما عبّر عنه تغول الدويلة على الدولة، لا إشارة إليه لا من قريب ولا من بعيد.. لكن دولته الذي بشر الناس في البيان الوزاري أن حكومته ستلبي طموحات ومطالب اللبنانيين التي طرحت في 17 تشرين. في ذلك اليوم (10 شباط) كان سعر صرف الدولار 2320 ليرة، واليوم وبعد مرور 125 يوماً على الثقة الملتبسة، وبعد مرور نحو 145 يوماً على التأليف و97% من الانجازات، لامس سعر صرف الدولار ال7000ليرة ، فانتقل دولته إلى لازمة جديدة: ورثت أزمة لا يد لي فيها!
لا يا حبوب الحكومة التي تترأس من التسمية والتكليف إلى التأليف وما حملته إلى مقاعد الحكم من مستشارين وغياب الكفاءة السياسية والاستقلالية لأن الوزير عندما ينال الثقة لا يعود ممثلاً من وزّره بل يصبح وزيراً عن الشعب اللبناني، إلى تبني موازنة وضعتها حكومة أسقطتها ثورة تشرين، إلى مسلسل إقرار المشاريع- الصفقات، ومسلسل التعيينات وما قامت عليه من تجاوز للقانون، إنما هي حكومة الأحزاب الطائفية التي شكلتها وليست خارج منظومة الفساد! ويرى القاصي والداني عندما يتوقف أمام الأداء الحكومي، أن لا أولوية لديها على نهج تجديد نظام المحاصصة الطائفي، وهو ما حمى الفساد والفاسدين. وبالمناسبة غابت كلية تلك الأحاديث عن استعادة المسروق والأموال المنهوبة!
ما جرى في الأسبوع الأخير، وضع البلد أمام سيناريوهات مقلقة. المحال المحروقة يضاف إليها مظهر “الأمن الذاتي” وما قد يستدرجه من أمور قد تشعل حريقاً أكبر، وقد يكون متعذراً المعالجة في بلدٍ ليرته محروقة! وودائع مواطنيه في المصارف أكلها الفساد. أما تكلفة الحدود السائبة والاستمرار في التهريب فقد تكون باهظة جداً فهذه المسألة قبل “قيصر” تحت المجهر الأميركي فكيف بعده، وقد أشار إليها أمس اجتماع مجلس الدفاع الأعلى. إذا عطفنا كل ذلك على أخطر قرار قضى بضخ الدولارات في السوق دون حسيب أو رقيب، ومعروف أنها ستجد طريقها إلى خارج الحدود ، ومع تدني الثقة بالسلطة إلى الحضيض، تكتمل اللوحة المقلقة.
في هذه اللحظة عندما يتم وقف قافلة المواد الغذائية الدولية المتجهة لدعم الشعب السوري، والأمر يحصل لأول مرة، ففيه الدلالة أن المجاعة اتسعت وازداد الطلب على الرغيف، وهذا أمر محسوم بمعزل عما إذا كانت هناك نوايا ومشاريع إلخ.. وهذا يعني أن اللبنانيين من مصلحتهم الان، ومن مصلحة ثورة تشرين وثوارها ممارسة كل أشكال الرفض الممكن لسياسة الحدود السائبة، فالثورة هي التي طالبت باستعادة الدولة المخطوفة. التهريب يلحق الضرر الأكبر بأهل المناطق الحدودية في البقاع والشمال أكثر من سواهم، لأنه يلصق بهم التهمة فيما يمر الفيول أمام أعينهم وهم في العتمة، ويتم إغراق مناطقهم بمنتجات زراعية من سوريا تتسبب في ضرب انتاجهم!
الحدود السائبة التي يحميها حزب الله ستؤدي إلى جعل لبنان جزءاً من المسار الذي يرسمه ويضع البلد في مواجهة مع الأميركيين. هذا الأمر أكد عليه رئيس النظام السوري أمس في الحديث المسرب له، ويعلن فيه أن السلع التي يتم استقدامها من لبنان لن تتوقف، فإن نجح هذا المخطط سيتم تدفيع كل لبنان ثمناً لا طاقة له به، والأنكى أن ما من جهة رسمية لفتها أنه لم تنجح أي جهة عالمية بالتصدي لإعصار العقوبات وأمام الأعين الدليل المتمثل بالخروج الفوري للشركات الصينية من سوريا!
وكلن يعني كلن