حنا صالح – مخيف الوضع في سوريا. في البلاد التي استُقدمت إليها جيوش الارض والمرتزقة فكانت حقول الموت والدمار والاقتلاع وتهجير نحو نصف السورين الذين تم رميهم في المنافي، كل ذلك دفاعاً عن كرسي الحكم، يتقدم فيها الجوع والخوف مقيم. الحد الأدنى للأجور كما تقرر في تشرين التاني 2019 ومعه بلغت الأجور 47675 ليرة( المتقاعدين أقل من ذلك) بات تساوي 18 دولار مع سعر الصرف يوم أمس والتراجع يومي. التظاهرات التي تمتد من السويداء إلى دمشق لافتة ومعبرة، الكثير من محال السلع الغذائية أقفلت لعدم وجود السلع وعدم القدرة على الاستيراد، والأخطر أن لا مخزون من الحبوب وقد يعزُّ وجود الرغيف في أقرب الآجال!! والمخاوف تتزايد يوماً بعد يوم!!
وبفضل منظومة الفساد في لبنان وحكومة الدمى تتسارع في لبنان مؤشرات الانهيار، والأخطر ان لا أولوية لدى المتسلطين سوى المضي في نهج المحاصصة الطائفي المدمر، والدفع باتجاه تعيينات في مواقع مالية وإدارية كبيرة، تكرس منحى الامساك بمفاصل القرار خدمة لنهج مافيا الحكم، الذي لم تقلق رموزه صرخات الجياع ووجود مئات ألوف اللبنانيين ممن فقدوا عملهم وكل مداخيلهم، وبعضهم انخرط في مفاضلة بين اطلاقة ثورة تشرين وما كانته تظاهرت 6 حزيران، وفي الوقت عينه لا يهتز جفن مسؤول أمام مشد تحول قسم كبير من اللبنانيين إلى التسول!!
في الأيام الماضية، وخلف ستار من الكتمان طلب وفد صندوق النقد الدولي من بيروت التحاور مع مدير عام الجمارك بدري ضاهر، فتم إشراكه في الوفد اللبناني. معروف أن إصلاح الجمارك مسألة تعهد بها الجانب اللبناني أمام “سيدر” وطبعاً لم ينفذها. الوفد الدولي أثار مسالة تراجع الواردات الجمركية ما تسبب بتفاقم عجز الخزينة. يقال مثلاً أن عائدات الجمارك عن العام 2018 بالكاد تعادل ما كانت عليه في العام 2010 رغم ارتفاع فاتورة الاستيراد، ورغم ازدياد السكان والإضافة الكبيرة في أعداد المقيمين بعد اللجوء السوري الكبير. إلى معابر التهريب التي باتت تحت خط أحمر رسمه حزب الله، وأول المتضررين هم أهل البقاع الشمالي والشرقي، تبين وجود خطوط تهريب في المعابر الشرعية البحرية والجوية. وأن الخلل فادح في آليات العمل الجمركي في المرفأ وسواه مع التهرب من الرسوم، وإذا ما تم ربط ذلك بما يحدث عبر خطي طرطوس واللاذقية، حيث تدخل البضائع تحت عنوان إعادة التصدير فتحرم الخزينة من العائدات، برزت النتيجة، وهي أن الاقتصاد الموازي يستنزف عائدات الدولة ويتسبب بتفاقم العجز والمديونية!!
الاقتصاد الأسود يحرم الخزينة من مليارات الدولارات، ويستأثر الاقتصاد الموازي الذي أنشأه حزب الله بالقسط الأكبر، فمن خلاله يتأمن الكثير في عمليات تمويل الدويلة. واضح أن لا أجوبة لدى الفريق اللبناني المفاوض المكلف استجداء دين جديد، وكما يستمر التهريب على غاربه في سباق مع الأيام قبل بدء مفعول عقوبات قانون “قيصر” الأميركي، يستمر حرمان الخزينة من وارداتها، ولا بأس بعد “فرفكة مناخير” ان يسمح حزب الله بتمرير قصة سلعاتا التي لم تنه بعد، وإن كان من أثمانها هدر المتبقي من ماء وجه حكومة الدمى! فلا بأس من أن يحقق صهر القصر مبتغاه والدرب طويل لتأمين عدة مليارات، نعم مليارات دولارات، من أجل صفقة سلعاتا!! في سياق قريب كشفت بعض الأوساط المصرفية أن أعداداً متزايدة من المصارف الكبرى في شمال أوروبا أوقفت التعامل مع المصارف اللبنانية ألا يقرع ذلك ناقوس خطر حقيقي بوجه سياسات تأخذ لبنان إلى العزلة فالتهلكة!!
الشيء بالشيء يذكر التعيينات على النار في المراكز المالية وفق المحاصصة المرسومة وهناك استعجال لبتها قبل تزامنا مع التسخين في مشروع التغيير الحكومي، لكن البروفيسور يشترط أن تكون التعيينات سلة واحدة ويتمسك بأن ترأس القاضية ندى يقظان مجلس الخدمة المدنية، في إصرار على القفز فوق سجلها في القضاء!! في هذا الوقت يفترض أن مرسوم التشكيلات القضائية وصل إلى القصر بعدما وقعه دياب، وبعدما استنزفت وزيرة العدل كل الحجج والأسباب، التي أخرت المرسوم الذي وضعه مجلس القضاء الأعلى في الاسبوع الأول من أذار. الأسئلة كثرية يوقعه الرئيس وينشر أو يوضع في الأدراج؟ ويستمر بالتالي الشلل في العدلية إذ يقال أن لا تشكيلات قضائية قبل الخريف، رغم كل المطالبات الخارجية والحاجات الداخلية للمضي في نهج إصلاح الوضع القضائي، وما التزام رؤية المجلس الأعلى للقضاء إلاّ خطوة بالاتجاه.
نفتح مزدوجين كي نشير إلى أن التشكيلات القضائية ليست قرارأً أو مرسوماً عن مجلس الوزراء، يمكن للرئيس رده أو وضعه على الرف. يقول القانوني الوزير السابق نجار “إن صلاحية الرئيس كما وزير العدل والوزراء المختصين هي صلاحية مقيدة، ليس لهم إعادة النظر فيه، ومتى ما طبقنا المادة 5 من قانون التنظيم القضائي يكون الموضوع قد انتهى”. كثر من طلاب الوزيرة نجم أثاروا مسألة احترام الصلاحية المقيدة، وتالياً الكف عن هذا النوع من الممارسات التي تفوق في سلبيتها الكثير من الممارسات!
محامو الثورة ورجال الحقوق والقانون، وكثر من السلك القضائي، الذين يقاتل كل على طريقته، من أجل إنجاز هدف استعادة الدولة المخطوفة وعودة العمل بالدستور واحترام القانون، أمام مهمة مكملة للمسار الذي رسمته ثورة تشرين. هم أمام تحدي استكمال المضبطة القانونية الضرورية من أجل المساءلة والمحاسبة وسيادة العدالة والشفافية، كي يسترجع المواطن اللبناني الحقوق المسروقة والمنهوبة ويحاسب الفاسد، وترسى الأسس لقيام دولة العدالة، دولة المواطنة والقانون، الدولة المدنية الحديثة التي يرفع لواءها “لقاء تشرين”.
وكلن يعني كلن