حنا صالح – انتشرت الصورة أبرزتها الشاشات والصحف العالمية. صورة مرسيلو ريبيلو دي سوزا الرئيس البرتغالي يرتدي قناعاً للوجه، يحافظ على تدابير التباعد، يقف في الصف كأي مواطن برتغالي، في أحد متاجر بلدية كاسكايس قرب العاصمة لشبونة، منتظراً دوره لشراء بعض الحاجيات! ليعود بعدها إلى عمله حيث تنتظره الواجبات الرئاسية، في نظام شبه رئاسي حيث يحوز الرئيس صلاحيات واسعة!
قالت صحيفة ديل ميل” البريطانية إنه “الرئيس الأكثر استرخاء في العالم، في أدائه اليومي يحاول أن يوصل رسالة إيجابية إلى المواطنين حول بدء عودة الحياد بشكل تدريجي”، بعد الحجر الذي فرضته الجائحة في 18 أذار وبدأت البرتغال خطوات تخفيف القيود منذ 28 نيسان الماضي.
دي سوزا البروفيسور في القانون الاستاذ السابق في جامعة ليشبونة، وصاحب التاريخ الإعلامي، انتخب لأول مرة نائباً عام 1975 بعد عام واحد على”ثورة القرنفل” التي أطاحت الديكتاتورية، وتسلم الرئاسة في 9 أذار 2016 بعد فوزه من الجولة الأولى بأكثر من 52% من أصوات الناخبين، وقاد بلاده للتعافي من أزمة اقتصادية كبرى معتمداً القانون لضمان أعلى شفافية في الوضع المالي، متمسكاً بنهج “ترميم الوحدة الوطنية”، رافضاً “تضييع طاقات البلاد”، معلناً أن واجبه كرئيس “التزام خدمة كافة البرتغاليين”!
الصورة معبرة وناطقة فكيف لأبناء بلد الأرز أن يقارنوا؟
بعد ثورة تشرين والهواء النقي الذي هزّ الفساد المتأصل، غابت مواكب الحكام، “تدروش” بعضهم، لكنهم سرعان ما أقاموا مربعات أمنية حول مقراتهم. يعرفون بدقة نوعية الممارسات والمدى الذي بلغته الانتهاكات التي يعاني منها المواطن، وهم الأعرف بحجم الارتكابات، فكانت جدران العزل والأسلاك الشائكة، وممارسة الضغوط على الثوار والناشطين والاستدعاءات والتلويح بالقبضة الأمنية، يعيشون حالة انفصام كاملة فمنهم من لا يعرف كم هو ثمن ربطة الخبز ومنهم من لم يرى أن أسعار السلع الغذائية نافرة، وتتالت “ارشاداتهم” و”النصائح” من نوع تناولوا لحوم الفروج لأن أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة!!
اليوم 21 أيار يكون قد مضى على تأليف الحكومة- الواجهة 4 أشهر بالتمام والكمال، لكن البروفيسور قرر الاحتفاء هذا النهار بمرور 100 يوم على الثقة الملتبسة التي نالتها حكومته يوم 10 شباط الماضي، سيعيد الكثير من أقواله عن “النجاحات” المحققة، وعن “الاستهدافات” التي طالت حكومته، وسيكرر وقد تحولت السراي الحكومي إلى “دارته” أنه جاء للانقاذ(!!). لكن اللافت أن دولته تحدث عن السعي لقضاء مستقل متناسياً أنه وقع مرسوم تجزئة التشكيلات القضائية، وأشار إلى عدم جواز التوقيفات إلا إذا اقتضت الضرورة، فمن يحدد الضرورة خارج تطبيق القانون، واعتبر ان انتهاء التنقيب في بلوك رقم 4 عمل في خانة الانجازات(. .) لكن اموراً بسيطة جداً غابت عن خطاب أول 100 يوم في الحكم وأبرزها:
– في 10 شباط لامس سعر صرف الدولار 2230 ليرة وكانت السلع تسعر على 2000ليرة، واليوم السعر بحدود 4230 ليرة وبلغ مرات 48800 ليرة والسلع باتت تسعر على على 5000 ليرة للدولار! إنجاز غير مسبوق في 100 يوم فقط. لكنه وعد أن الأسعار ستنخفض!
– بعد 100 يوم انحدر تصنيف البلد المنهوب والذي أعلنت الحكومة إفلاسه رسمياً يوم 9 أذار إلى المرتبة ما قبل الأخيرة، قبل فنزويلا! وبقليل من الانجازات الإضافية سيحتل لبنان صدارة البلدان من حيث التراجع الإئتماني.
– بين الانجازات مساعٍ لمعالجة المديونية بمزيد من محاولات الاستدانة، وبروز الموقف الهزيل أمام صندوق النقد بعد العجز عن توحيد النظرة لأرقام الانهيار والمدسونية بين الحكومة ومصرف لبنان، وإدارة الظهر لمطلب استعادة الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد، واعتماد “الحياد” حيال التهريب إلى سوريا للمواد المدعومة أي تهريب الدولار والتغاضي عن المسؤولية لجهة الحدود السائبة، ورغم فضيحة الفيول المغشوش تم المضي بالاتفاق مع “سوناتراك”، وتحدي مبدأ الاصلاح بإعادة التأكيد على دور وزير الطاقة منفرداً في التفاوض على أنشاء معامل للكهرباء مع استبعاد متعمد للجنة المناقصات! والاستمرار في صفقات التراضي!
..ودخلت على الخط جمعية المصارف، رافضة خطة الانقاذ الحكومية ومفندة أرقامها، وقدمت رؤيتها وقراءتها للوضع، فقفزت فوق مسؤوليتها عن المقامرة بودائع الناس، ووجهت النصح بضرورة الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، يعني أين كانوا طيلة العقود الثلاثة الماضية؟ ثم ذهبوا إلى بيت القصيد وهو أن “لبنان يعاني من نقص في السيولة لكنه غني في الأصول”، وأن المطلوب إنشاء صندوق حكومي توضع فيه أصول للدولة بقيمة 40 مليار دولار يديره مصرف لبنان لتخفيف الديون! اصول يبحثون في تملكها وهم الذين قامروا بجني أعمار الناس، ويرفضون إعادة رسملة البنوك من الأرباح التي تم تهريبها، لكنهم عن حق يدعون الدولة لأن تسدد مستحقات البنوك.
خطاب “الانجازات” قال للبنانيين أن الحكومة باقية. ولأن المكتوب يقرأ من عنوانه، تبدو مهمة هذه الحكومة تعميق الانهيار وتصعيب الانقاذ، ما يسهل السيطرة عليه ليكن لبنان في نهاية المطاف الساحل الذي تطل منه طهران على المتوسط! كل ذلك يعيد التأكيد على مهمة توحيد قدرات اللبنانيين ورفع مستوى الأداء من أجل إطاحة هذه الحكومة لأن ذلك هو الممر الاجباري لفتح الباب أمام قيام المرحلة الانتقالية.
مثل هذا الأمر يفترض بناء الآليات التي تنظم القوى الحية في المجتمع وتوحدها، كي تكون عودة ثورة تشرين على نفس مستوى التحدي الذي تمثله الحكومة، التي عاقبت بها الطبقة السياسية أكثرية اللبنانين. بهذا السياق يكتسب الاعلان عن انطلاق “لقاء تشرين” في البقاع أهميته، وهو يندرج في سياق المساعي لتفعيل الوضع الشعبي بما يساعد على رفد الثورة في مرحلتها الجديدة بعناصر قوة إضافية. الخطوة لافتة وقوبلت باهتمام بقاعي أولاً، وتحتم بلورة خطوات شبيهة في أكثر من منطقة لتصليب النسيج الشعبي المتمسك بالتغيير.
وكلن يعني كلن