هدى علاء الدين
أدخل 13 نيسان عام 1975 – التاريخ المشؤوم – لبنان في دوامة لا متناهية من العنف والدمار، قتل فيها شعبه الواحد بعضهم بعضا على مدى 15 عاماً من دون رأفة أو رحمة، وتمترسوا خلف طوائفهم وأحزابهم وشعاراتهم. فكانت النتيجة أكثر من 300 ألف شخص بين قتيل وجريح، وتهجير ما يقارب المليون وهجرة نصف مليون آخر.
وعند انتهائها في العام 1990، اعتقدنا أن السلام ما بعدها سيكون سلاماً أبدياً، ليس جسدياً فقط إنما سلاماً نفسياً وروحياً وتوبة عما اقترفته الأيادي بحق الوطن. إلاّ أننا اليوم وعشية ذكراها الـ 45، يستذكرها لبنان جسداً بلا روح، ممزق الأشلاء جراء صراعات طائفية ومذهبية متجذرة لا تزال تفتك بكيانه حتى الآن.
نعم، انتهت الحرب دماراً وقتلاً وتشريداً، لكنها ما زالت راسخة في عقول وأنفس ونهج الأغلبية. نعم، هناك أجيال لم تعش الحرب الأهلية باللحم الحي، إلا أننا جميعنا لا نزال حتى اليوم نعيشها حرباً باردة بلا خطوط تماس ورائحة موت من هنا وهناك، نعيشها بعبثية وفوضى وتنكيل بكل إنجازات لبنان ومقدراته وقدراته وهدم ما تبقى من مؤسساته.
في حرب السلاح يقتل المرء مرة واحدة، أما في حرب الجهل والتجويع والانتقام والفتن يقتل المرء في كل يوم وكل حين. فعن أي عبر وأي دروس نتحدّث، وشبح الحرب الأهلية الأسود لا يزال يخيم فوق رؤوسنا. فالحرب ليست أطرافاً متنازعةً وأسلحةً ومتاريس ودماءً وأشلاءً فقط، بل هي كل جريمة ترتكب بحق لبنانيتنا وإنسانيتنا وهويتنا ومواطنيتنا، هي كل تهديد ووعيد وانتقام وكل تحريف وتشويه للحقيقة مهما كانت.
ليس عاراً الافتخار بطوائفنا وليس عاراً الانتماء لأحزابنا، لكن العار أن نتخذ منهما ذريعة للدمار والتفرّد والتسلّط، ما هكذا نبني بلداً ولا هكذا نعيش سويةً ولا هكذا نغلق أبواب الحرب والحقد والكراهية ونشرّع أبواب السلام والمحبة والتسامح.
إنها لعنة الحرب الأهلية ترافق لبنان اليوم في عام احتفاله بمئوية تأسيسه، وسترافقه ما دام ماضيها لا يزال في حاضرنا، وطيفها مخيّم على مستقبلنا.
هي ذكرى “نعم”، وإنما عبرة “لا” ما دام هناك من يفضل ثقافة الموت على ثقافة الحياة، وما دامت حروب الآخرين تُخاض على أراضينا، وما دامت جذورها متمدّدة في أعماقنا.
إرحموا لبنان من حروبكم… ودعوه بلداً آمناً تليق به الحياة ويليق بها… فلبنان والحياة صنوان !!!.