هدى علاء الدين
من قلبي سلامٌ لبيروت… حين قالتها فيروز في الأمس القريب اعتقدنا أن ذاك السلام
بألمه ووجعه لن يتكرر إلا سلاماً فرحاً مفعماً بالحب والحنين على قدر ما تستحقّه
بيروت. وإذ بنا اليوم وبعد أكثر من عقدين نعود لنجدّد هذا السلام بالكثير من الوجع
والألم والمرارة…
على مرّ الأيام والسنين، لم تتعب بيروت ست الدنيا، أيقونة السلام، أمُّ الشرائع، عاصمة
الكتاب، معبد المحبين وصومعة العاشقين، من مواجهة أوجاعها وآلامها بوحدة وصمت
وحزن… بالتأكيد هو ليس خياراً إنما قراراً كانت هي فيه الحلقة الأضعف، ليصبح قدراً
محتوماً عليها في كلّ وقت وحين.
بيروت – العروس الفاتنة – لم تفقدنا، إنما نحن من فقدناها، بيروت – قصائد الشعراء
ونثر الأدباء – لم تضيعنا، إنما نحن من أضعناها، لكن السبيل إلى لقياها ليس مستحيلاً.
أين سنجدها؟ تكثر الأسئلة والجواب واحدٌ: سنجدها مع بذوخ كلِّ فجر، في صلاة كلِّ
مؤمن، في نبض كلِّ حر، على ثغر كلِّ طفل، في حلم كلِّ شاب، في وجدان كلِّ أم، في
قلب كلِّ أب… سنجدها حتماً في أمل كلِّ يائس وفي ضمير كلِّ حيٍّ.
بيروت يا بيروت … ذنبك أنك عشقت الحياة فخانك الأمن وخذلك الأمان…
نستميحك عذراً إن جار زماننا عليك …
نستميحك عذراً إن هان وجعك علينا …
نستمحيك عذراً إن خانك المشككون وعبث بك العابثون…
اغفري لنا يا بيروت فأنت ما عودتنا عتبا…
اغفري لنا يا بيروت فقد عاهدناك قويةً صلبةً شامخةً لا تنحني…
اغفري لنا يا بيروت فنحن منك وإليك لا مفرَّ سنعود… فأنت البداية وأنت النهاية…
لبيروت – من بيروت – عهدٌ منا ووعدٌ علينا اليوم وغداً ما دمنا أحياءً ولنا أقلامنا
الحرة أن تبقين خير من يعبر عنا ويكسر جدار صمتنا. ستبقين سلاماً ساكناً في قلوبنا
وهمساً لا يفارق وجداننا…ستبقين ملجأنا ومقصدنا وميناء سلامنا ومصدر قوتنا في
زمن هواننا…
بيروت لن نعشق سواك مدينةً ولن نهوى غيرك بديلاً…
بيروت أنت لنا….