“من أنا كي أعلن إفلاس الدولة؟ ضميري مرتاح ونعمل بكل طاقاتنا من أجل إنجاز خطة تعاف اقتصادية وإبرام إتفاق مع صندوق النقد في أقرب وقت”. هكذا ردّ نائب رئيس الحكومة ورئيس وفد التفاوض مع صندوق النقد الدولي سعادة الشامي على إعلانه رسـمياً عن إفلاس الدولة ومصـرف بعد كلامه المثير للبلبلة والجدل بأن العمل مستمرّ حول مسألة توزيع الخسائر على الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين وللأسف الدولة مفلسة وكذلك مصرف لبنان، معتبراً أنّ حديثه مجتزأ ومبدياً استغرابه وتعجّبه من الضجة الاعلاميّة والشعبيّة لتصريحاته التي قطعت أنفاس اللبنانيين ووقعت كالصاعقة على رؤوسهم.
وفي محاولة للملمة تداعيات إعلان الإفلاس، أشار رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي إلى أن الشامي قصد بحديثه السيولة المالية وليست الملاءة. وبدوره أيضاً، نفى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة صحّة الخبر معتبراً أنّ ما يتم تداوله حول إفلاس المصرف المركزي غير صحيح. فبالرغم من الخسائر التي أصابت القطاع المالي في لبنان، والتي هي قيد المعالجة في خطة التعافي التي يتم إعدادها حالياً من قبل الحكومة اللبنانية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، لا زال مصرف لبنان يمارس دوره الموكل إليه بموجب المادة 70 من قانون النقد والتسليف وسوف يستمر بذلك.
تصريحات الشامي عكست ولو بتعبير خاطئ حقيقة الدولة المرّة وما وصلت إليه من عجز وفشل وانهيار تاريخي غير مسبوق، حقيقة لامكن إنكارها ويتلمّسها اللبنانيون بتفاصيل يوميّاتهم وتشير إليها كافة المؤشرات والتقارير المحليّة والدولية. أمّا في الواقع، فالدولة غير مفلسة بل هي متعثّرة ومتخلّفة عن سداد التزامات ديونها المستحقة من سندات “اليوروبوندز” بالعملات الأجنبية في شهر آذار 2020 البالغة قيمتها 1.2 مليار دولار، وحكومة الرئيس حسان دياب هي من تخلّفت عن السداد وليس الدولة التي لا تزال تدفع حتى اليوم من سمعتها وهيبتها وثقتها الداخلية والخارجية ثمناً باهظاً ومكلفاً نتيجة هذا الخطأ الفادح والتخلّف الخاسر.
لا شك في أن الدولة في لبنان لا تمتلك أيّة من الإمكانيّات الماديّة أو السيولة الماليّة للنهوض من كبوتها خاصّة وأنها تعاني من شبكة أزمات اقتصادية واجتماعية هائلة ولم تتمكّن من إعادة اكتساب ثقة المجتمع المحلي والدولي، في حين يستمرّ حكّامها في اعتماد سياسة ترقيع الحلول وتضييع الوقت والتهرّب من تحمّل المسؤوليات. كما أنّ المصرف المركزي خسر الكثير من احتياطي النقد الأجنبي الإلزامي لديه، كذلك المصارف اللبنانية التي تتكبّد خسائر جسيمة منذ بداية الأزمة في خريف 2019، الأمر الذي لن يسمح لهم بطبيعة الحال بتحمّل الكثير من الخسائر لردم الفجوة المالية. فإذا كانت الدولة والمصرف المركزي والمصارف بجميع قدراتها عاجزة عن تحمّل عبء الـ 73 مليار دولار فكيف بالمواطنين الضعفاء؟ وهل يجوز أساساً تحميلهم ما لا طاقة لهم؟ فمن أفلس البلد؟ وكيف يمكن لمن نهب خيرات البلد وثرواته وقام بتمويل الصفقات المشبوهة والمشاريع الخاصة من خزينة الدولة وجيوب الناس وأوصل لبنان إلى قاع الإنهيار والإفلاس أن يقوم بتوزيع عادل ومنصف للخسائر؟ وأين هي ممتلكات وأصول الدولة التي من شأنها تعويض البعض من هذه الخسائر؟ لكن على ما يبدو أنّ الإتفاق قد تمّ وأنّ القرعة وقعت على الحلقة الأضعف والخاسر الأوّل ألا وهو المواطن.
لا يوجد دخان من دون نار وكلّ الأمل أن لا تكون تصريحات الشامي فتيل اشتعال نار الإفلاس التي سوف تحرق ما تبقّى من فرص نجاة للبنان ونوافذ أمل للبنانيين لا سيّما وأنّ البلد مُقدم على مرحلة مصيريّة تتمثّل في إجراء الانتخابات النيابية منتصف الشهر المقبل وما تحمل معها من خوف وحذر وترقّب. وفي خضمّ هذه الوضع السوداوي المأزوم، تُطرح علامات استفهام كثيرة حول توقيت هذه التصريحات والنيّة من ورائها، فهل كان الإدلاء بها مقصوداً من أجل إثارة البلبلة والفوضى وتطيير الاستحقاق النيابي؟ أم هو جسّ لنبض الشارع اللبناني الصامت ولردّة فعله تمهيداً لاعلان إفلاس رسمي وبالتالي تحميل المواطنين العبء الأكبر من الخسائر؟ أم أنّ التعبير لم يُسعف الشامي فوقع في المحظور؟ ليبقى الجواب رهن الأيام المقبلة.