1. Home
  2. زوايا
  3. تاريخ مدفع رمضان
تاريخ مدفع رمضان

تاريخ مدفع رمضان

71
0

الدكتور سهيل منيمنة – قلة هم من الأجيال الجديدة تعرف تاريخ بيروت العريق والحديث عن بيروت فيه طعم الحلاوة تلتقطه الأذن ليدخل في الدماغ ويذوب المرء في تخيلاته عن المدينة التي قهرت الشيطان وتقهره دائما.
عندما تقودك قناعاتك اختيار أسلوب حياتك، فهذا لا يعني أنك تقطع الصلة مع الشق التاريخي للعادات الدينية، ولا أن تنكر أن للديانات فضلاً ما في تطور الشق التراثي لشعب المدينة، وبيروت، مدينتي التي أعشق، لا تشذ بتاريخها وتراثها عن هذه القاعدة، فتراث بيروت الرمضاني يدخل إلى قلب عاشقها دون أي اعتبار للمعتقدات الدينية.
تشير بعض الدراسات والمعلومات التاريخية الى أن تقليد إطلاق مدفع الافطار في رمضان يعود الى عام 1811 في عهد والي مصر محمد علي باشا، ويقال بأن الجيش المصري في تلك الفترة امتلك مدافع حديثة، فأحال المدافع القديمة إلى المستودعات بعد أن نصب أحدها في أعلى قلعة القاهرة رمزاً لانتصاراته. وفي أحد أيام شهر رمضان أطلق جيش محمد علي طلقة من المدفع القديم مع أذان المغرب مما لاقى استحسان وتأييد أهالي القاهرة عامة والمناطق البعيدة عن القاهرة بشكل خاص . ومنذ ذاك التاريخ أمر محمد علي باشا باطلاق المدافع مع أذان المغرب ومع الامساك فجراً وفي الأعياد والمناسبات.


ونظرا لارتباط مصر ببلاد الشام فقد تكرس هذا التقليد مع الحكم المصري في بلاد الشام بين اعوام 1831-1840، أي خلال ولاية إبراهيم بن محمد علي باشا على هذه البلاد قبل إجباره من قبل التحالف العثماني – الأوروبي على الخروج من بيروت بعد إغارة أساطيل هذه البلاد على المدينة وقصفها مما تسبب بتضرر وانهياء أجزاء من قلعة بيروت.
دخل إبراهيم باشا المصري بجيشه إلى بيروت المحروسة سنة 1831م، وفي عهده استحدث في المدينة مدفعاً مهمته إثبات شهر رمضان وإعلان وقت الإمساك والسحور وأوقات الصلاة وخصص له موظفاً خاصاً لإطلاق المدفع وتحديد الأوقات كان يسمى الميقاتي.
في تلك الأيام كان يتم إطلاق المدفع مساء يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان إذا ثبتت رؤية الهلال، وإلا عصر اليوم التالي وهو اليوم المتمم للثلاثين. وفي سنة 1859 وما بعدها كانت تطلق 21 طلقة تبشيراً وإجلالاً عند حلول الشهر وأيام الأعياد.
كان موقع هذا المدفع أيام الدولة العثمانية في الثكنة العسكرية الواقعة على رابية مطلة على باطن المدينة (مكان مجلس الإنماء والإعمار اليوم). كانت وجهة المدفع إلى الشرق، وكان الميقاتي المعين من قبل مدير الأوقاف يسحب من جيب سترته ساعة معلقة بسلسلة ذهبية يحدد بموجبها إشارة إطلاق المدفع. وأشهر من عرف من الميقاتية شخص من آل زغلول ثم اشتقت من هذه الوظيفة عائلة الميقاتي المعروفة.

الدكتور سهيل منيمنة

استمر هذا الوضع إلى عهد الإنتداب الفرنسي حين وضع الانتداب يده على الأوقاف الإسلامية وتم تعيين المسيو جينادري مشرفاً عليها.
وفي سنة 1935، ومع اتساع المدينة جنوباً وغرباً، نقل المدفع إلى تلة الخياط التي كانت تشرف على معظم الإحياء الإسلامية، وصار الإشراف على المدفع وإطلاقه بعهدة رجال القناصة اللبنانية التابعة لجيش الشرق. أما بعد الاستقلال فقد استلم الجيش اللبناني هذه المهمة.
كان المدفع قديم مثبت على عربة بدولابين تنقل على البغال من مركزها بثكنة مار الياس أي ثكنة الحلو حالياً، ودام هذا الأسلوب حتى سنة 1923. أما القذيفة فكانت عبارة عن حشوة قماش محشوة بالبارود متصلة بكبسولة تطلق من المدفع بواسطة حبل رفيع.


كتب الأستاذ محمد كريّم في “في البال يا بيروت” عن ذكريات طفولته مع مدفع رمضان فقال:
” قبل الإفطار، كان السكون يلف المدينة، حتى لتكاد الحركة تتوقف كلياً، ولكأن الزمن قد توقف معها هو الآخر، فتخلو الشوارع من العابرين والمارة، اللهم إلا من بعض العائدين متعجلين إلى منازلهم، وهم في سباق مع مدفع الإفطار.
كنا نقف، مجموعة من أبناء الحي، أمام منازلنا، بانتظار مدفع الإفطار، الذي كان يطلق من منطقة “تلة الخياط” الهضبية الرملية المرتفعة والمشرفة على معظم أحياء بيروت، من مكان ثابت، بالقرب من مقهى “أبو النور” الشهير، الذي يعرفه كل متذوقي النارجيلة في بيروت.
ما إن ينطلق مدفع الإفطار حتى كنا نتراكض، كلٌ إلى بيته صائحين: ضرب ضرب… وكنا نرسل هذه الصيحة منغمة فيها الكثير من الفرح، دون أن نعرف سبباً محدداً لذلك. ربما كانت لالتئام شمل العائلة، وما يخلفه ذلك من أجواء الألفة التي كنا نحس بدفئها، أو بسبب ما كان ينتظرنا من مآكل شهية وحلويات لا تكون حاضرة في غير موائد رمضان، أو بسبب ما سوف نقوم به بعد الإفطار من زيارات تحمل التغيير في نمط حياتنا اليومي؛ ولربما أيضاً بسبب انقضاء يوم من شهر، آخره عيد، سيحمل إلينا البهجة: الثياب الجديدة، والعيديات، وفرح “حرش العيد”.

الدكتور سهيل منيمنة – مؤسس ورئيس جمعية تراث بيروت.


tags: